عدة وسائل يستطيع ان يعبر بها عن التجربة الواحدة، ويصور بها الفكرة الواحدة، فينطلق خياله لا تحده حدود، فيصور المعقول محسوسا، والمنظور مسموعا، والمسموع منظورا، وكل ذلك عناصر إيحاء يستغلها الأديب المبدع في نقل عاطفته أو تجربته إلى المتلقي، فتشترك كل حواس المتلقي في تلقي الصورة التي يقدمها إليه الأديب المبدع [1] .
وقد استطاع الإمام علي (عليه السلام) من خلال المجاز ان يصور الأبعاد النفسية والأفكار التي كان يرمي إليها، بشكل يحقق عنصر التأثير والانفعال لدى المتلقي، من إثارة النفس أو الهاب العاطفة أو إذكاء الشعور في حالتي الترغيب والتنفير، وكان الإمام في كل ذلك يتوخى رصانة الألفاظ، ودقة سبكها وصياغتها، وعلاوة على ذلك فإنها جاءت تحمل معها عنصر الابتكار والدهشة، الذي يأخذ بمشاعر المتلقي ويستولي على أحاسيسه بإثارة الانفعال المناسب في نفس المتلقي، فخرجت مجازاته تعبر عن حالات شعورية مختلفة بثها في خطبه ورسائله وحكمه.
والمجاز نوعان عقلي ولغوي، فالعقلي ما استفيد عن طريق العقل وإيحاءات الفطرة، واللغوي ما استفيد عن طريق اللغة ومدركات اللسان [2] .
المجاز العقلي
هو إسناد الفعل أو ما في معناه ـ من اسم الفاعل واسم المفعول ـ إلى غير ما هو له في الظاهر من المتكلم، لعلاقة مع قرينة تمنع من ان يكون الإسناد إلى ما هو له [3] .
وهذا النوع من المجاز يتوصل إليه بحكم العقل، فيثير الإحساس بطريقة استعماله، ويهز الشعور بنتائج إرادته، فالألفاظ لم تنقل عن اصلها اللغوي فدلالتها على ذاتها بذاتها، والكلمات لم تجتز وضعها في الأصل إلى مقارب له أو مشابه، وانما يستشعر بهذا المجاز
(1) _ الصور البيانية: 221.
(2) _ أصول البيان العربي محمد حسين الصغير: 41.
(3) _ جواهر البلاغة 296، وينظر معجم البلاغة العربية: 1/ 171، 2/ 561.