ان اختيار الامام لألفاظ تشبيهاته هو الذي اكسبها هذا التأثير في المتلقي، فجاءت تشبيهاته (شديدة الائتلاف فيما بين أطرافها، على الرغم من تباعد أجناسها، بسب ما أضيف وركّب والّف حتى توافقت فيما بينها، فإذا بها خلقت من ذلك الصهر والتركيب معاني جديدة ثرة لم يقع بالحسبان التلفت إليها لاعتياد الناس عليها وشدة إلفتهم لها [1] .
ومن تشبيهات الإمام قوله (عليه السلام) من كلام له عن الخلافة قال: (( فصاحبها كراكب الصعبة، ان اشنق لها خرم، وان اسلس لها تقحّم ) ) [2] .
شبه الامام (عليه السلام) المتصدي للخلافة براكب الناقة الصعبة، التي لم تركب ولم ترّوض، إن جذب راكبها رأسها بالزمام ورفعه خرم انفها، وان اسلس زمامها تقحّم في المهالك، فألقته من على ظهرها، وهذا هو الوجه في التشبيه، فالخليفة إن اظهر الغلظة مع الرعية واخذ أمورهم بالحزم والشدة، فقد حبهم وولاءهم، ولم يأمن غدرهم، وإن ترك لهم زمام الأمور واهمل الاهتمام بأوضاعهم، وأحوال معيشتهم، فترك الحبل على غاربه، ولم يهتم إلا بملذاته وشهواته، فقدَ بذلك احترامهم، ولم يأمن خروجهم عن طاعته.
وقال الامام (عليه السلام) من كلام له في ذكر أهل البصرة: (( والله لا أكون كمستمع اللدم، يسمع الناعي، ويحضر الباكي، ثم لا يعتبر ) ) [3] .
(ومستمع اللدم كناية عن الضبع، تسمع وقوع الحجر بباب جحرها من يد الصائد، فتنخذل، وتكف جوارحها إليها، حتى يدخل عليها فيربطها) [4] ، يقول (عليه
(1) _ التصوير الفني في خطب الامام: 47.
(2) _ شرح نهج لبلاغة: 1/ 162.
(3) _ نفسه: ... 9/ 109.
(4) _ شرح نهج البلاغة: 9/ 109.