الظروف بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) غير مناسبة للمطالبة بهذا الأمر، آثر الامام السكوت وترك المنازعة على هذا الأمر إيثارا للمصلحة الدينية.
وقال الامام (عليه السلام) في كتاب له إلى معاوية: (( وانك إذ تحاولني الأمور وتراجعني السطور، كالمستثقل النائم تكذبه أحلامه، والمتحير القائم يبهضه مقامه، لا يدري اله ما يأتي أم عليه ) ) [1] .
قال وانك في مناظرتي ومقاومتي بالأمور التي تحاولها، والكتب التي تكتبها، كالنائم يرى أحلاما كاذبة، أو كمن قام مقاما بين يدي سلطان، أو بين قوم عقلاء يعتذر عن أمر في نفسه، قد أثقله ذلك المقام واربكه، فهو لا يدري هل ينطق بكلام له أم عليه، فيتحير ويتبلد، ويدركه العي والحصر [2] .
وقال الامام (عليه السلام) : (( فان العامل بغير علم كالسائر على غير طريق، فلا يزيده بعده عن الطريق الواضح إلا بعدا من حاجته، والعامل بالعلم كالسائر على الطريق الواضح، فلينظر ناظر أسائر هو أم راجع ) ) [3] .
يستشف من النص الدلالة على أهمية العلم وطلبه، ودوره في تنظيم حياة الإنسان، حيث يشبه الامام (عليه السلام) الإنسان العامل بغير علم بالشخص الذي يسير على غير طريق ويترك السير على الطريق الواضح، فلا يزيده بعده عن الطريق الواضح إلا بعدا عن حاجته ومطلبه الذي يبتغي، أما الإنسان العامل بالعلم فيشبهه الامام بالشخص الذي يسير على الطريق الواضح، فهو على بصيرة من أمره، وكل خطوة يخطوها في هذا الطريق تزيده قربا من غايته ومبتغاه.
(1) _ شرح نهج البلاغة: ... 18/ 62.
(2) _ نفسه: 18/ 63.
(3) _ نفسه: 9/ 175.