وإذا كانت الاستعارة الجيدة هي التي تمتلك القدرة على خلق دلالات جديدة ومؤثرة من صور مألوفة ومعتادة، فان من خصائصها تجسيم الأمور المعنوية، وذلك بإبرازها للعيان في صورة شخوص، وخلع الصفات الإنسانية عليها.
والتشخيص لون من ألوان التخييل (يتمثل في خلع الحياة على المواد الجامدة أو الظواهر الطبيعية والانفعالات الوجدانية) [1] .
ولم يغفل القدماء الإشارة إلى هذا الموضوع، وان لم يعرفوه بما هو مصطلح عليه حديثا، فقد بين عبد القاهر الجرجاني ما للتشخيص من دور مهم في جمالية الصورة الاستعارية وقيمتها الدلالية، وذلك بقوله: (فانك لترى بها الجماد حيا ناطقا، والأعجم فصيحا، والأجسام الخرس مبينة، والمعاني الخفية بادية جلية ... ان شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل، كأنها قد جسمت حتى رأتها العيون ... ) [2] .
ولما كان التشخيص وسيلة مهمة من وسائل الدلالة واثراء المعنى، فقد كثر في الدلالات التي فقدت قدرتها على التأثير في المتلقي، لاعتياد الناس عليها، وذلك بإعادة صياغتها من جديد وتقديمها بصور ذات دلالات جديدة تنبض بالحياة، فتراها شاخصة حية تنبه الأحاسيس وتوقظ الشعور.
وقد ورد التشخيص بالاستعارة في مواضع كثيرة في نهج البلاغة ومنها قول الإمام (عليه السلام) في وصف الموت: (( ألا فاذكروا هادم اللذات، ومنغص الشهوات وقاطع الأمنيات، عند المساورة للأعمال القبيحة ) ) [3] .
(1) _ التصوير الفني سيد قطب: 57.
(2) _ أسرار البلاغة: 41.
(3) _ شرح نهج البلاغة: 7/ 91.