الصفحة 131 من 160

الدلالة على المعنى الحقيقي (القريب) ، وانما يقصد الدلالة على المعنى المجازي (البعيد) . وبهذا الوجه ـ أي بإرادة المعنى البعيد ـ تشارك الكناية المجاز.

وعلاوة على ذلك فان التعبير الكنائي يجسد المعنويات والمجردات بصورة مادية محسة كالتعبير المجازي تماما، وهذا التجسيد للمعاني ادعى لتأكيدها ورسوخها في النفس، من ذلك نخلص الى ان الكناية هي نوع من أنواع المجاز.

ان التعبير الكنائي أقوى في أداء المعنى المراد من التعبير الصريح، وذلك انه يتضمن إيرادا لهذا المعنى مقرونا بالدليل عليه [1] . حيث (ان كل عاقل يعلم إذا رجع إلى نفسه ان إثبات الصفة بإثبات دليلها وايجابها بما هو شاهد في وجودها، آكد وابلغ في الدعوى من ان تجيء إليها فتثبتها هكذا ساذجا غفلا. وذلك لانك لا تدعي شاهد الصفة ودليلها إلا والأمر ظاهر معروف) [2] ، فـ (الصورة الكنائية تولد إقناعا اكبر بالمعنى الذي تشير إليه، بتوكيده وتقريره في نفس السامع، لان النفس يكون تقبلها للمعاني أسرع وآكد إذا كانت مشفوعة بالشاهد والدليل) [3] .

ومما ينبغي الإشارة إليه ان التعبير الكنائي يرفع من قيمة المعنى البعيد الذي يشير إليه في نظر المتلقي، ويعمل على توكيده في نفسه والاعتزاز به وتفخيمه [4] . وقد أشار إلى هذا المعنى عبد القاهر الجرجاني بقوله: ان الصفة إذا لم تأتك مصرحا بذكرها، مكشوفا عن وجهها، ولكن مدلولا عليها بغيرها، كان ذلك أفخم لشانها، والطف لمكانها، كذلك إثبات الصفة للشيء تثبتها له إذا لم تلقه إلى السامع صريحا، وجئت إليه من جانب التعريض والكناية، والرمز والإشارة، كان له من الفضل والمزية ومن الحسن والرونق ما لا يقل قليله، ولا يجهل موضع الفضيلة فيه) [5] .

(1) _ التعبير البياني: 132.

(2) _ دلائل الأعجاز: 57.

(3) _نفسه: 57.

(4) _ ينظر البرهان في وجوه البيان ابن وهب الكاتب: 133.

(5) _ دلائل الأعجاز: 236 ـ 237.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت