الصفحة 132 من 160

ولا ريب في ان التعبير الكنائي أقوى تأثيرا وإيحاءً من التعبير الصريح، حيث تتجلى خصوصية التعبير الكنائي في انه لا يقود المتلقي إلى الغرض مباشرة، مثلما تفعل العبارات الحرفية الصريحة، وانما يبرز له جانبا من المعنى، ويخفي عنه جانبا آخر، وهو بهذا الشكل يفرض علينا نوعا من الانتباه للمعنى الذي يعرضه.

وبذلك يظهر الأثر الجمالي للأسلوب الكنائي، في جمال ما ينبه من الملكات، وما يستثير من الأذواق. فالمتعة الفنية في تحصيل الفائدة والتي تحصل بعد إعمال الخاطر، واستثارة التفكير، فان الفائدة بها اعظم، وبقاء أثرها في النفوس أطول [1] .

وقد سلك الامام (عليه السلام) في نهج البلاغة أسلوب القران الكريم في مخاطبة الناس، فكان حريصا كل الحرص على إيصال مفاهيمه إلى الجميع دون جرح العواطف، أو خدش المشاعر، أو اشمئزاز النفوس، وكان الطريق إلى ذلك هو الأسلوب الكنائي، بما يمتلك من قدرة على التعبير الموحي والمهذب، والمحافظة على الأدب الراقي الممتاز [2] .

قال الامام (عليه السلام) واعظا: (( عباد الله الآن فاعملوا والألسن مطلقة، والأبدان صحيحة، والأعضاء لدنة، والمنقلب فسيح، والمجال عريض ) ) [3] .

نلمس من النص الدعوة إلى العمل الصالح، والتزود من منزل الزاد ما دام هناك متسع للإنسان، حيث يدعو الامام إلى العمل في وقت الإمكان قبل إلا يمكن العمل، فكنّى (عليه السلام) عن ذلك بقوله (والألسن مطلقة) لان الإنسان عندما يحين اجله ويحل به الموت يعتقل لسانه فلا يستطيع النطق. وقوله (والأبدان صحيحة) لان الإنسان إذا مرض لا يمكنه القيام بعباداته على وجهها الصحيح، فلا طاقة له على تحمل مشاقها. وقوله (والأعضاء لدنة) أي لينة طرية، لان الإنسان إذا كبر به السن،

(1) _ علم البيان: 222.

(2) _ ينظر أصول البيان العربي: 114.

(3) _ شرح نهج البلاغة: 10/ 176.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت