وقد ذهب إلى هذا الرأي من المحدثين الدكتور فاضل السامرائي بقولة: (ومن هنا استعير البناء إلى المبالغة فعندما نقول:(هو صبور) كان المعنى انه مادة تستنفذ في الصبر وتفنى فيه، كالوقود الذي يستهلك في الاتقاد، ويفنى فيه، وكالوضوء الذي يستنفد في الوضوء ... ) [1] .
وهذا الرأي غير مقبول كما بينا سابقا [2] ، والرأي الراجح هو ان الأصل في هذا البناء إنما هو المبالغة.
وقد ورد هذا البناء في مواضع متفرقة في نهج البلاغة، منها قول الإمام (عليه لسلام) : (( واعلموا عباد الله ان المؤمن لا يمسي ولا يصبح إلا ونفسه ظنون عنده، فلا يزال زاريا عليها، ومستزيدا لها ... ) ) [3] .
في النص كلمة على زنة (فعول) هي (ظنون) ، وهي من أبنية المبالغة، ومشتقة من الفعل الثلاثي (ظن) بمعنى اتهم.
يكشف النص عن بعد أخلاقي يجب ان يتحلى به الإنسان المؤمن العارف لحق الله سبحانه، وهذا البعد هو محاسبة النفس وتذكيرها بعاقبتها، فالمؤمن على حد قول الإمام لا يمسي ولا يصبح إلا وهو على حذر من نفسه، متهما إياها بالتقصير، والتواني، والفتور، وقلة العمل في طاعة الله جل وعلا، غير قاطع على صلاحها وسلامة عاقبتها، عائبا عليها، مكثرا من الطاعات لترويضها وكبح جماحها.
وقال الإمام (عليه السلام) في صفات المتقين: (( ... وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور ) ) [4] .
في النص كلمتان على زنة (فعول) هما (صبور، وشكور) وهما من أبنية المبالغة، ومشتقتان من الفعل الثلاثي المجرد (صبر، وشكر) .
(1) _ معاني الأبنية: 114.
(2) - ينظر صفحة 13، و 14 من هذا البحث.
(3) _ شرح نهج البلاغة: 10/ 16.
(4) _ نفسه: 10/ 149.