وهذا في ظاهره ظلم من الله تعالى لعباده، وحاشاه سبحانه ان يظلم أحدا، أما إذا سبرنا غور هذه الآية، فسنرى ان المقصود بالأعمى هنا أعمى البصيرة، وليس أعمى البصر، إذن هناك آيات تستوجب ان يقف عندها الإنسان ويتأمل المراد منها ويتأوله، وهذا موكول للراسخين في العلم فهم اجدر المخلوقين بهذا الأمر.
وقال الإمام (عليه السلام) في صفات الله سبحانه: (( لطيف لا يوصف بالخفاء، كبير لا يوصف بالجفاء ) ) [1] .
في النص كلمتان على زنة (فعيل) هما (لطيف، وكبير) ، وهما من أبنية الصفة المشبهة، ومشتقتان من الفعل الثلاثي (لطف، وكبر) .
يستفاد من قوله (عليه السلام) : (لطيف لا يوصف بالخفاء) عدة أمور منها:
الأول: يدل النص على ان الله سبحانه لا يُرى لعدم صحة رؤية ذاته، فلما شابه اللطيف من الأجسام في استحالة رؤيته، اطلق عليه لفظ (اللطيف) إطلاقا للفظ السبب على المسبب.
الثاني: يدل النص على انه سبحانه لطيف بعباده، كما قال في الكتاب العزيز، أي يفعل الألطاف المقربة لهم من الطاعة، المبعدة لهم عن المعصية.
الثالث: يراد من قوله انه سبحانه لطيف بعباده، الدلالة على انه يرحمهم ويرفق بهم.
أما قوله (عليه السلام) : (كبير لا يوصف بالجفاء) ، فيستدل به على تنزيه البارئ جل وعلا عما تدل عليه لفظة (كبير) إذا استعملت في الأجسام، فيلمس في وصف الله سبحانه بانه (كبير) ، عظمة شانه وجلال سلطانه.
وقال الإمام (عليه السلام) من كلام له في صفات الله تعالى: (( قريب من الأشياء غير ملامس، بعيد منها غير مباين ) ) [2] .
(1) _ شرح نهج البلاغة: 10/ 64.
(2) _ نفسه: 10/ 64.