الصفحة 75 من 160

متخيلة عن هؤلاء النخبة الذين اختارهم الله جل وعلا، لتصديق كلمته وحمل رسالته، علاوة على ما أضافه التضعيف من دلالة أضفت على الكلام من المبالغة ما يناسب فعل المقصودين بالكلام، من استعدادهم الدائم لتأدية مطاليب الرسالة، والدعوة إليها بشتى الوسائل، ولو استعمل الإمام (عليه السلام) لفظة (سامعين) بدلا من (سماعا) ، لخف ذلك الأثر الموسيقي المنشود، وفقد المعنى بعضا من دلالته المطلوبة.

وقال الإمام (عليه السلام) في معرض حث أصحابه على الجهاد: (( استعدوا إلى قوم حيارى عن الحق لا يبصرونه، وموزعين بالجور لا يعدلون عنه، جفاة عن الكتاب، نكب عن الطريق ) ) [1] .

نلاحظ في كلمة (حيارى) وهي من جموع الكثرة، ومفردها (حائر) ذلك الأثر الموسيقي الرائع الذي جاء نتيجة لتوالي صوتي المد، مما أعطى الكلمة قوة في التعبير والإيحاء عن هؤلاء القوم الذين يستعد لقتالهم، والمسير إليهم، فهم لشدة ضلالهم واضطراب حالهم، لا يبصرون طريق الحق رغم وضوح جدده. أما كلمة (جفاة) فتثير في النفس دلالة موحية ناتجة عن وقع أصواتها، فصوت (الجيم) المجهور الشديد، وسعة صوت المد يهيئان جوا موسيقيا يلقي بظلاله على الصورة، فيلمس فيها غلظة الأعراب وسفه عقولهم.

وقال الإمام (عليه السلام) في وصف الفتنة: (( ترد عليكم فتنتهم شُوْهًا مخشيّة ) ) [2] .

فكلمة (شوها) من جموع الكثرة ومفردها (شوهاء) ، ولا يخفى ما في هذه الصيغة من دلالة على المبالغة، من خلال ما توحيه من جرس أصواتها، وما تضفيه من جو موحي، فصوت (الشين) الاحتكاكي الذي يوحي بالضوضاء مع

(1) _شرح نهج البلاغة: 8/ 103.

(2) _ نفسه: 7/ 45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت