نخلص من هذا إلى ان الجناس هو ضرب من ضروب التكرار المؤكد للنغم من خلال التشابه الكلي أو الجزئي في تركيب الألفاظ، فاختيار الأديب لمتواليات الألفاظ التي يكثر فيها الترديد الصوتي، إنما هو خلق مواءمة تعبيرية بين اللفظ ودلالته في الحالتين، من خلال ما يثيره الجرس من انسجام بين نغم التشابه اللفظي ومدلوله على المعنى في السياق [1] . ولا شك ان مثل هذا الأسلوب في الكلام يتطلب المهارة والبراعة، وقد لا يقدر عليه إلا الأديب الذي وهب حاسة مرهفة في تذوق الموسيقى اللفظية.
ويأتي الجناس على أنواع مختلفة، وقد جاءت اغلبها في نهج البلاغة، حيث وظفها الإمام علي (عليه السلام) بطريقة أثرت النص، واغنته بالموسيقى. ومن أنواع الجناس التي جاءت بألفاظ المشتقات في نهج البلاغة ما يأتي:
الجناس التام
أولا:
وهو ما اتفق فيه اللفظان المتجانسان في أربعة أشياء: نوع الحروف، وعددها، وهيئاتها الحاصلة من الحركات والسكنات، وترتيبها، مع اختلاف المعنى [2] .
ولم يرد الجناس التام في نهج البلاغة إلا في موضع واحد، وهو قول الإمام (عليه السلام) : (( فالبصير منها شاخص والأعمى إليها شاخص ) ) [3] .
ورد الجناس التام في تكرار كلمة (شاخص) وتعني الأولى الراحل الذي حان وقت سفره، جاء في اللسان: (نحن قد اشخصنا أي حان شخوصنا) [4] ، وتعني الثانية
(1) _ ينظر جرس الألفاظ: 284، والأسلوبية الصوتية ماهر مهدي هلال: 75.
(2) _ معجم البلاغة العربية بدوي طبانة: 1/ 155، و جواهر البلاغة: 396 ـ 397.
(3) _ شرح نهج البلاغة: 8/ 275.
(1) و (2) _ لسان العرب مادة (شخص) : 2/ 281 ... .
(4) _ ينظر التلخيص في علوم البلاغة القزويني: 390.