خامسا: جناس العكس
وهو (ان تعكس الكلام فتجعل الجزء الأخير منه ما جعلته في الجزء الأول) [1] ، وقد سماه القزويني بجناس القلب [2] ، ويرى ابن الأثير ان هذا النوع من الجناس (له حلاوة وعليه رونق، وقد سماه قدامة بن جعفر التبديل [3] ، وذلك اسم مناسب لمسماه، لان مؤلف الكلام يأتي بما كان مقدما في جزء كلامه الأول مؤخرا في الثاني، وبما كان مؤخرا في الأول مقدما في الثاني) [4] .
وقد جاء هذا النوع من الجناس في مواضع كثيرة في نهج البلاغة، ومما يناسب المقام قول الامام (عليه السلام) في وصف المتقين: (( .. ان كان في الغافلين كتب في الذاكرين، وان كان في الذاكرين لم يكتب في الغافلين ) ) [5] .
ان هذا التكرار للألفاظ في النص يضفي عليه ايقاعا موسيقيا يصور حالة هذا الإنسان المؤمن، فهو لا يزال ذاكرا الله سبحانه، سواء كان جالسا مع الغافلين أو مع الذاكرين، فإذا كان مع الغافلين ذكر الله بقلبه، واذا كان مع الذاكرين ذكره بقلبه ولسانه.
ومثله قول الامام (عليه السلام) يصف الفتنة: (( والله لتبلبلن بلبلة ... حتى يعود اسفلكم أعلاكم، و أعلاكم اسفلكم ) ) [6] .
جاء النص يصف حالة الدمار والخراب التي سوف تحدثها هذه الفتنة، فاستطاع بطريقة التقديم والتأخير في الألفاظ ان يخلق ايقاعا نغميا من خلال تكرار الأصوات، والذي وفر بدوره دلالة إيحائية تتناسب مع الحدث الذي أراد الإمام وصفه.
(1) _ الصناعتين: 411.
(2) _ الإيضاح في علوم البلاغة: 336.
(3) _ ولم أجد ذلك في كتابه نقد الشعر.
(4) _ المثل السائر: 1/ 394.
(5) _ شرح نهج البلاغة: 10/ 148.
(6) _ نفسه: 1/ 272.