اصرف كل النظر إلى تجويد الألفاظ وصحة المعاني، واجتهد في تقويم المباني ... فقد كان المتقدمون لا يحتفلون بالسجع جملة، ولا يقصدونه إلا ما أتت به الفصاحة في أثناء الكلام، واتفق من غير قصد ولا اكتساب، وانما كانت كلماتهم متوازنة وألفاظهم متساوية، ومعانيهم ناصعة، وعباراتهم رائعة، وفصولهم متقابلة، وجمل كلامهم متماثلة، وتلك طريقة الإمام علي (رضي الله عنه) ومن اقتفى أثره من فرسان الكلام) [1] .
وكان التزام العرب للسجع نتيجة للموسيقى الكامنة وراء هذا النظام من خلال السمات التي يتميز بها، والتي تعطي للنص موسيقية وللألفاظ رنينا، تلقي بأثرها على المتلقي [2] . حيث ان اتفاق ألفاظ الفقرات المسجوعة في الوزن الإيقاعي، مع اتفاقها في الحرف الأخير، يتيح للكلام ركيزة نغمية تتكرر من وقت لاخر، فتحدث فيه توازنا موسيقيا [3] ، يضفي على الكلام رونقا ويزيده بهاءً، ويشقق منه صورا جديدة تحمل أطيافا من المعاني والأخيلة والعواطف [4] .
ولقد كان السجع من ابرز العناصر الموسيقية التي ميزت كلام الإمام علي (عليه السلام) ، فجميع خطبه ورسائله وأقواله القصيرة مشتملة على هذا النوع من فنون البديع.
قال الإمام (عليه السلام) يصف مصير أهل الدنيا: (( اعلموا عباد الله إنكم وما انتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى قبلكم، أصبحت أصواتهم هامدة، ورياحهم راكدة، وأجسادهم بالية، ودورهم خالية، وآثارهم عافية،
(1) _ صبح الأعشى للقلقشندي: 2/ 353.
(2) _ ينظر اثر القران في تطور النقد العربي محمد زغلول سلام: 243 ... .
(3) _ الأسس النفسية لأساليب البلاغة: 69.
(4) _ البديع في ضوء أساليب القران: 135.