فالله أولى بكل واحد من الغني والفقير وهو يأمركم بالشهادة عليهما، أي: لا يحملنكم موالاتكم إياهما عن كتمان الشهادة؛ فإن من هو أولى منكم بما يأمركم بأدائها ويحتمل أن الكناية راجعة إلى المشهود عليه والمشهود له وتقديره فالله أولى به وبخصمه {أَنْ تَعْدِلُوا} لتعدلوا [1] وتقسطوا عند الزجاج والفراء [2] ، وقال ابن جرير: هذا من العدول فيكون ترجمة لاتباع الهوى.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} أي: آمنوا ببعض آمنوا بالكل لما تتلوه، وقيل: آمنوا بالنعت آمنوا بالمنعوت كقوله {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} [البقرة: 89] وقيل: آمنوا وجه النهار وآمنوا آخره لقوله:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} به [3] وقيل: آمنوا بألسنتكم آمنوا بقلوبكم لقوله: {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ} [النساء: 140] وقيل: آمنوا فيما مضى وفي الحال وذاقوا على الإيمان في المستقبل لقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) } [الفاتحة: 6] وقيل: آمنوا بألسنتهم أخلصوا بعقائدهم تحققوا في الإيمان بدوام مراقبتكم وتهذيب خواطركم لقوله -عليه السلام- لحارثة:"كيف أصبحت؟"قال: أصبحت مؤمنًا حقًا ... [4] الخبر.
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} عن قتادة: أنها نزلت في أهل الكتاب [5] ، وعن الحسن: في الذين آمنوا وجه النهار وكفروا آخره [6] ، وعن مجاهد وابن زيد: نزلت في المنافقين [7] ، وهذا أصح لأنهم تردّدوا في أمرهم وأصرّوا
(1) (لتعدلوا) ليست في"ب".
(2) ذكره الزجاج في (معاني القرآن) (2/ 118) ، والفراء في (معاني القرآن) (1/ 291) .
(3) (به) من الأصل.
(4) رواه عبد بن حميد (445) ، والطبراني في الكبير (3367) ، وابن أبي شيبة (30425) بسند ضعيف، وروي عن أنس وأبي هريرة بسند ضعيف أيضًا.
(5) رواه عبد الرزاق في تفسيره (1/ 176) ، وابن جرير (7/ 597) .
(6) عزاه ابن الجوزي في"زاد المسير" (2/ 225) للحسن.
(7) أما عن ابن زيد فعند ابن جرير (7/ 598) .
وأما عن مجاهد فعزاه السيوطي في"الدر المنثور" (5/ 77) لابن المنذر.