فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 61

وهب أنك صادق فيما تقول، أليس عملك مترددًا بين الردِّ والقبول؟ أليس أمامك ما يفزع ويهول، أليس قدامك يوم الحشر المهول؟ ولا والله تدري هل ينجيك عملك إن عملت أو يرديك.

(والله يعلم ما تخفون وما تعلنون) (النمل: 25) ، (ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون) (آل عمران: 158) .

وإن قلت: لا تطيب نفسي بفراق زوجتي وجمالها، وأنسي بقربها، وسروري بوصالها، فهب أن زوجتك أحسن النسوان، وأجمل أهل الزمان، أليس أولها نطفة مذرة وآخرها جيفة قذرة، وهي فيما بين ذلك تحمل العذرة، حيضها يمنعك شطر عمرها، وعقوقها لك أكثر من برها، وإن لم تكتحل تعمَّشت عينها، وإن لم تتزين ظهر شينُها، وإن لم تمتشط شعثت شعورها، وإن لم تدّهن طفى نورها، وإن لم تطيب تفلت، وإن لم تتطهر نتنت، كثيرة العلل، سريعة الملل، إن كبرت أيست، وإن عجزت هرمت، تحسن إليها جهدك، فتنكر ذلك عند السخط.

كما قال - صلى الله عليه وسلم: (لو أحسنت إلى إحداهنَّ الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط) .

تروم منها أقذر ما فيها، وتخاف هجرها وتخشى تجافيها، يحملك حبها على الكد والتعب والشقاء الشديد والنصب، توردك الموارد المهلكة، وترضى في أدنى هواها بهلاكك وما أوشكه، تودك لمرادها منك، فإن فات أعرضت عنك، وهجرتك وطلبت سواك، وملَّتك وأظهرت قلاك، وقالت بلسان حالها إن لم تفصح بمقالها، واصلني وأنفق، أو فارقني وطلق، وبالجملة لا يمكن أن تستمتع بها إلا على عِوَج، ولا تدوم صحبتك إياها إلا مع ضيق وحرج، يالله العجب، كيف يقعدك حب هذه عن وصال من خُلقت من النور، ونشأت في ظلال القصور، مع الولدان والحور، في دار النعيم والسرور، والله لا يجفُّ دم الشهيد حتى تلقاه، وتستمتع بشهود نورها عيناه، حوراء عيناء جميلة حسناء، بِكر عذراء، كأنها الياقوت، لم يطمثها إنس قبلك ولا جان، كلامها رخيم، وقدُّها قويم، وشعرُها بهيم، وقدرها عظيم، جفنها فاتر، وحسنها باهر، وجمالها زاهر، ودلالها ظاهر، كحيل طرفها، جميل ظرفها، عذب نطقها، عجب خلقُها، زاهية الحلي، بهية الحلل، كثيرة الوداد، عديمة الملل، قد قصرت طرفها عليك، فلم تنظر سواك، وتحببت إليك بكل ما وافق هواك، لو برز ظفرها لطمس بدر التمام، ولو ظهر سوارها ليلًا لم يبق في الكون ظلام، ولو بدا معصمها لسبى كل الأنام، ولو اطلعت بين السماء والأرض لملأ ريحها ما بينهما، ولو تفلت في البحر المالح عاد كأعذب الماء، كلما نظرت إليها ازدادت في عينك حسنًا، وكلما جالستها زادت إلى ذلك الحسن حسنًا، أيجمل بعاقل أن يسمع بهذه ويقعد عن وصالها، كيف وله في الجنة من الحور العين أمثال أمثالها.

واعلم أن فراق زوجتك تلك لا بد منه، وكأن قد وقع، والجنة إن شاء الله تجمع بينكما ونعم المجتمع، وما بينك وبين وصلها إن كانت من الصالحات، إلا وقت لا بد من فراقك لها فيه وهو الممات، فتجدها في الآخرة أجمل من الحور العين بما لا يعلمه إلا رب العالمين، قد ذهب ما تكره منها، وزال ما يسوء عنها، وحسن خُلُقُها، وكمل خَلقُها، كحلاء نجلاء، حسناء زهراء، بكرًا عذراء، قد طهرت من الحيض والنفاس، وكرمت منها الأنواع والأجناس، وزال اعوجاجها، وزاد ابتهاجها، وعظمت أنوارها، وجلَّ مقدارها، وفضلت على الحور العين في الجمال، والأنوار، كفضلهن عليها في هذه الدار، فأعرض عنها اليوم لله فسيعوضك الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت