فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 61

وإن سألت عن فروشها فمن استبرق بطائنها، فما ظنك بظهائرها.

وهي مرفوعة بين الفراشين أربعين سنة، وليس عليها نوم ولا سِنَة، بل هم عليها متكئون مقبل:

(بعضهم على بعض يتساءلون) (الطور: 25) .

وإن سألت عن أكلها، فموائدها موضوعة، وأكلها على الدوام، وثمارها لا ممنوعة ولا مقطوعة لطول المقام، بل فاكهة نضيجة، (مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون) (الواقعة: 20و21) ويسقون فيها: (من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) (المطففين: 25و26) .

لا يتغوط أهلها، ولا يبولون، ولا يبصقون، ولا يمتخطون، أكلهم يرشح من جلودهم كالمسك ريحًا، ولونًا كالجمان، فإذا البطن قد ضمر كما كان.

وإن سألت عن خدمها، فالولدان المخلدون: (إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤًا منثورًا وإذا رأيت ثَمَ رأيت نعيمًا وملكًا كبيرًا عالِيَهم ثياب سُندسٍ خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابًا طهورًا إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكورًا) (الإنسان: 19 - 22) .

وبالجملة فكل ما ذكرت لك، هو كما جاء في الخبر، وإلا ففي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

وإن سألت عن مدة بقائهم في هذا النعيم العظيم، والمقام الكريم الجسيم، فهم أبدًا فيه خالدون، أحياء لا يموتون، شباب لا يهرمون، أصحاء لا يسقمون، فرحون لا يحزنون، راضون لا يسخطون، من خوف القطيعة والطرد أبدًا آمنين، في مقام أمين: (دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) (يونس: 10) فقس بعقلك ما بين هذا الملك العظيم الخطير، وبين قصرك ذي العمر القصير، والقدر اليسير، وانظر إذا فارقته بالشهادة إلى ماذا يصير، إن المقام فيما أنت فيه لغرور (ولا يُنَبِّئُك مِثلُ خبير) (فاطر: 14) .

وإن قلت أرغب في التأخير لإصلاح العمل، فهذا أيضًا ناتج من الغرور، وطول الأمل، وتا الله ما تمَّ تأخير في الأجل المقدور: (يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) (فاطر: 5و6) .

ليس هذا والله إلا من مصايد إبليس اللعين، لا من مقاصد الأولياء والصالحين، أليس الصحابة وأخيار التابعين أولى منك بهذا القصد إن كنت من الصادقين، لو ركنوا إلى تأخير الآجال، لما ارتكبوا في الله عظيم الأهوال، ولما جاهدوا المشركين والكفار، واقتحموا البلاد والأمصار، ألا تصغي بأذنك يا هذا المفتون، إلى قوله تعالى: (انفروا خفافًا وثقالًا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) (التوبة: 41) . ألا تلقي بالك؟ إن كنت فطينًا فهيمًا، وتفكر في قوله تعالى: (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا) (النساء: 95) .

وفي الحديث: (إن قيام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل من عبادته في أهله سبعين عامًا) .

أيها المغرور، وإن نوم المجاهد أفضل من قيام الليل وصيام الدهور، وسيأتي لهذا مزيد بيان، وبالله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت