فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 61

وكأنك بذلك وقد كان، فإذا أنت لفراقه ثكلان، وقلبك مغمور بالحسد، وصدرك معمور بالأحزان، فلم يدم لك ما أنت فيه من المنصب والجاه، ولم تفز بما أنت طالبه من أسباب النجاة، وإن لِآخِرَ من يخرج من النار ويدخل بعد الداخلين، مثل ملك أعظم من ملوك الدنيا، وعشرة أمثاله معه أجمعين.

فما ظنك بمن يكون مع السابقين الأولين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، مع ما لا يخفى عليك مما في المنصب من النصب والتعب وشر العاقبة وسوء المنقلب، وما تكسب به من كثرة الأعداء والحساد، وما اشتملت عليه بواطنهم من الضغائن والأحقاد، وشماتتهم بك عند زواله، وتلهفك حزنًا على ما فات من إقباله، وزوال أكثر حشمك وخدمك، وإعراض من كان يُسر بتقبيل قدمك.

وقد روي: (إن في الجنة يأتي الملك الكريم، بمنشور من الرب العظيم، فيه مكتوب من الحي الذي لا يموت، إلى الحي الذي لا يموت، يا عبدي إني أقول للشيء: كن فيكون وقد جعلتك تقول للشيء كن فيكون) .

وفي الحديث: (إن أدنى أهل الجنة منزلة من يقف على رأسه خمسة عشر ألف خادم وإن أدنى لؤلؤة على رأس أحدهم لتضيء ما بين المشرق والمغرب) .

وروى الترمذي وابن حبان في صحيحه: أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية إلى صنعاء، واسمع قول العزيز الغفار: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعمَ عُقبى الدار) (الرعد: 23،24) .

تالله هذا ما تقر به العيون، و (لمثل هذا فليعمل العاملون) (الصافات: 61) .

وإن قلت: يشق علي فراق قصري وظله، وبنائه المشيد وعلو محله، وحشمي فيه وخدمي، وسروري ونعمي، فليت شعري هل هو إلا بيت من طين وحجر وتراب، ومدر وحديد وخشب، وجريد وقصب، إن لم يكنس كثرت فيه القمامة، وإن لم يسرج فما أشد ظلامه، وإن لم يتعاهد بالبناء، فما أسرع انهدامه، وإن تعاهدته فمآله إلى الخراب، وعن قليل يصير كالتراب، يتفرق عنه السكان، وتنتقل عنه القُطَّان، ويعفو أثره ويندرس خبره، ويُمحى رسمه ويُنسى أسمه.

وقد روي: أن الله عز وجل لما أهبط آدم عليه السلام إلى الأرض قال: ابن للخراب ولد للفناء.

وفي الخبر: إن لله ملكًا ينادي كل يوم لدوا للموت وابنوا للخراب.

استبدل أيها المغرور قصرك مع سرعة فنائه بدار باقية قصورها عالية، وأنوارها زاهية، وأنهارها جارية، وقطوفها دانية، وأفراحها متوالية.

إن سألت عن بنائها، فَلَبِنَةُ فضة، ولبنِة ذهب، ولا تعب فيها، كلا ولا نصب، وإن سألت عن ترابها، فالمسك الأذفر، وإن سألت عن حصبائها فاللؤلؤ والجوهر.

وإن سألت عن أنهارها، فأنهار من لبن، وأنهار من عسل، ونهر الكوثر.

وإن سألت عن قصورها، فالقصر من لؤلؤة مجوفة، طولها سبعون ميلًا في الهواء، أو من زمردة خضراء، باهرة السنا، أو ياقوتة حمراء، عالية البناء، وللمؤمن في كل زاوية من زواياها أهل وخدم، لا يبصر بعضهم بعضًا لسعة الفنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت