فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 61

نحاس فأحميت - أي قدر كبير -، ثم أمر بها أن تُلقى هي وأولادها فيها، قالت له: إن لي إليك حاجة قال: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا، قال: ذلك لك علينا من الحق، قال: فأمر بأولادها فألقوا بين يديها واحدًا واحدًا إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع، وكأنها تقاعست من أجله، قال: يا أمه اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فاقتحمت .. ) رجاله ثقات إلا أبا عمر الضرير قال فيه الذهبي وأبو حاتم الرازي هو صدوق وقد وثقه ابن حبان.

وفي هذا الحديث دلالة أن الله أنطق الطفل ليأمر أمه بالاقتحام في النار، وهذا كطفل المرأة من أصحاب الأخدود، ولو كان في قتل النفس للدين أي محظور لما أثنى الشارع على هذا الفعل، وما إنطاق الطفل إلا آية لبيان فضل هذا الفعل، وهنا لا يقال هذا شرع من قبلنا وليس بشرع لنا، لأن شرعنا أثنى على هذا الفعل وأتى به في معرض المدح والإقرار.

والدلالة الثانية: أن المرأة في هذه القصة والمرأة الأخرى في قصة الأخدود لم يُدخَلا إلى النار بالقوة وبالمعالجة بل ذهبتا بطوعهما حتى دخلتا النار وباشرتا الدخول في النار بنفسيهما، ولم يصبرا حتى يجبرا مثل ما فعل الصحابي الجليل كما في البخاري وغيره في قصة السرية التي أمر عليها عاصم بن ثابت حيث أحاط بهم القوم فقالوا لهم انزلوا وأعطونا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ولا نقتل منكم أحدا، قال عاصم بن ثابت أمير السرية، أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق، منهم خبيب الأنصاري وابن دثنة ورجل آخر فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث هذا أول الغدر والله لا أصحبكم، إن في هؤلاء لأسوة يريد القتلى، فجروه وعالجوه على أن يصحبهم فأبى فقتلوه فانطلقوا بخبيب وابن دثنة حتى باعوهما بمكة، والشاهد فجروه وعالجوه فأبى فقتلوه، أي لم يستسلم لهم وينقاد مثلما انقادت المرأتان.

ثالثًا: ما رواه البيهقي في السنن الكبرى 9/ 100، قال: قال الشافعي رضي الله عنه تخلف رجل من الأنصار عن أصحاب بئر معونة، فرأى الطير عكوفًا على مقتلة أصحابه، فقال لعمرو بن أمية، سأقدم على هؤلاء العدو، فيقتلوني، ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابنا ففعل، فقتل، فرجع عمرو بن أمية، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولًا حسنًا، ويقال: قال لعمرو (فهلا تقدمت؟) .

والشاهد قوله: سأقدم على هؤلاء العدو، فيقتلوني أي ليس له هدف النكاية بالقوم ولا الدفاع عن أصحابه بل مجرد القتل في سبيل الله وهذا واضح من قوله سأقدم على هؤلاء العدو فيقتلوني، ولم ينكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعله هذا بل قال فيه قولًا حسنًا بل قال لعمرو (فهلا تقدمت؟) .

رابعًا: ما رواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، عن جابر رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) .

والشاهد: ترغيب الإسلام في إزهاق الروح من أجل كلمة الحق التي أمر الله بها حيث إن المتقدم للسلطان يعلم مسبقًا أن النتيجة بعد قول كلمة الحق القتل، إذًا هو معين على قتل نفسه ولكن لمصلحة الدين وهو سبب مشروع ومرغب فيه، لذا قال شيخ الإسلام في الفتاوى ج26ص182والفتاوى الكبرى ج2ص525 ما نصه: وكذلك أكل الميتة والدم ولحم الخنزير يحرم أكلها عند الغنى عنها ويجب أكلها بالضرورة عند الأئمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت