الأربعة وجمهور العلماء قال مسروق من اضطر فلم يأكل حتى مات دخل النار وذلك لأنه أعان على نفسه بترك ما يقدر عليه من الأكل المباح له في هذه الحال فصار بمنزلة من قتل نفسه، بخلاف المجاهد بالنفس ومن تكلم بحق عند سلطان جائر فإن ذلك قتل مجاهدا ففي قتله مصلحة لدين الله تعالى أ. هـ
خامسًا: في الصحيحين عن يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع رضي الله عنه: على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية قال على الموت.
والشاهد: هنا أن المبايعة على الموت في سبيل الله ونصرة الدين الذي من محصلته النكاية بالعدو، وليس على النكاية بالعدو وإن لم يكن فلا مبايعة، حيث لا يقال أن الجهاد في سبيل الله ناتج عن النكاية بالعدو بل العكس.
سادسًا: ما رواه ابن جرير الطبري في تاريخه 2/ 338 عند ذكر ما حدث في معركة اليرموك ولما طال القتال قال: قال عكرمة بن أبي جهل يومئذ قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل موطن وأفر منكم اليوم - أي من الروم - ثم نادى من يبايع على الموت، فبايعه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعًا جراحًا وقتلوا، إلا من برأ ومنهم ضرار بن الأزور، قال وأتي خالد بعدما أصبحوا بعكرمة جريحا فوضع رأسه على فخذه وبعمرو بن عكرمة فوضع رأسه على ساقه وجعل يمسح عن وجوههما ويقطر في حلوقهما الماء ويقول كلا زعم ابن الحنتمة أنا لا نستشهد.
وروى ابن المبارك في كتاب الجهاد 1/ 88 والبيهقي في سننه 9/ 44 عن ثابت أن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه ترجل يوم كذا، فقال له خالد بن الوليد: لا تفعل فإن قتلك على المسلمين شديد، فقال: خل عني يا خالد، فإنه قد كان لك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقة، وإني وأبي كنا من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى حتى قتل.
والشاهد: هنا المبايعة على الموت وليس النكاية بالعدو بل المقصد الأول الاستشهاد في سبيل الله الذي من محصلته النكاية بالعدو.
سابعًا: ما رواه البيهقي في سننه الكبرى ك44 وغيره، قال وفي يوم اليمامة لما تحصن بنو حنيفة في بستان مسيلمة الذي كان يعرف بحديقة الرحمن أو الموت، قال البراء ابن مالك لأصحابه: ضعوني في الجفنة - وهي ترس من جلد كانت توضع به الحجارة وتلقى على العدو - وألقوني، فألقوه عليهم فقاتل وحده وقتل منهم عشرة وفتح الباب وجرح يومئذ بضعًا وثمانين جرحًا، حتى فتح الباب للمسلمين، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
وهنا لطيفة يحسن التنبيه عليها ألا وهي جلوس البراء بنفسه في الجفنة أي مشاركته مشاركة مباشرة في هلاك نفسه، لكي لا يقال أن القاتل لنفسه خوف إفشاء الأسرار باشر قتل نفسه بنفسه والبراء ليس كذلك.
بل يضاف إلى ذلك أن أصحابه عاونوه على ذلك، والمتسبب في قتل النفس بقصد القتل مثل المباشر لقتلها، كما أن المتسبب في قتل غيره بقصد القتل مساو لقتله في أحكام الدنيا حتى أن جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة رتبوا على من قتل غيره بالتسبب بقصد القتل القصاص من المتسبب كما يقتص من المباشر للقتل، وإن لم يكن بقصد فالدية، وخالف في ذلك الحنفية.