إذا مسح يومًا وليلة فما فوق ثم قدم بلده الذي يسكن فيه فلا يجوز له في هذه الحالة المسح على الخفين بل ينزعهما ثم يغسل قدميه لأن رخص السفر قد انتهت بالوصول إلى البلد فلا يجوز الزيادة عن اليوم والليلة في المسح كما هو قول جمهور العلماء [1] وإن وصل بلده وقد مضى دون يوم وليلة يتمهما.
وأما المقيم إذا مسح يومًا ثم سافر فإنه يمسح يومين زيادة على اليوم فيكون مسحُه ثلاثة أيام. وهذا الصحيح من أقوال أهل العلم وبه قال الأحناف [2] ورواية عن الإمام لأحمد رجحها كثير من أصحابه وجاء عن الإمام أحمد - رحمه الله - أنه رجع عن قوله (( يتم مسح مقيم ) )لأن رخص السفر قد حلت له والمسافر كما تقدم في حديث علي يمسح ثلاثة أيام إلا أن يخشى فوات رفقته أو يتضرر بالنزع لشدة برد ونحو ذلك من الأعذار فله أن يمسح أكثر من ثلاثة أيام لأثر عقبة بن عامر وقد تقدم ذكره في المسألة الأولى والله أعلم.
المسألة السابعة:
"إذا لبس جوربًا على جورب". فإن كان لبس ذلك على طهارة فالحكم في هذه الحالة للفوقاني وإن مسح على التحتاني صح ذلك على الصحيح.
وأما إن لبس الفوقاني على حدث فلا يجوز له أن يمسح على الفوقاني عند جمهور أهل العلم [3] لأنه لبس ذلك على غير طهارة. فإذا مسح على التحتاني ثم لبس الفوقاني جاز له حينئذ المسح على الفوقاني. وفي هذه الحالة على هذا القول إذا نزع الفوقاني فالحكم كالحكم فيما إذا نزع خفيه وقد سبق أن الطهارة لا تنتقض.
(1) انظر مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبدالله (1/ 119 - 120) والأوسط (1/ 446) والمغني (1/ 296 - 297) والمجموع (1/ 489) .
(2) انظر شرح فتح القدير (1/ 154 - 155) والمغني (1/ 295) والمبدع في شرح المقنع (1/ 143) .
(3) وقد أجاز بعض أهل العلم كما في المجموع (1/ 506) المسح على الفوقاني وإن لبسه على حدث ومنه تعلم عدم صحة الإجماع المذكور في هذه المسألة قال ابن قدامة - رحمه الله - في المغني (1/ 286مع الشرح الكبير) إذا لبس خفين ثم أحدث ثم لبس فوقهما خفين أو جرموقين لم يجز المسح عليهما بغير خلاف لأنه لبسهما على حدث، وفي قوله بغير خلاف نظر فالمسألة فيها خلاف ولم ينعقد عليها إجماع غاية ما في ذلك أن المنع قول الجمهور وهذا ليس بإجماع وأيضًا لا يلزم منه الرجحان. ...
والقول بالجواز فيه قوة وله وجه من النظر.
والقول بأنه لبسهما على غير طهارة لا يضر ما دام الأصل المباشر للقدم ملبوسًا على طهارة. والفوقاني تابع للتحتاني فهما كالجورب الواحد ولذلك يتبعه في التوقيت ولا يأخذ توقيتًا مستقلًا ولذلك أقول لا يصح القول بأنه أدخلهما على غير طهارة لأن الخف أو الجورب الأول أدخل على طهارة وهذا الفوقاني تابع له فلذلك لم يأخذ حكمًا مستقلًا في مدة المسح بل تبع أصله وعلى هذا القول إذا نزع الفوقاني لا يؤثر على طهارته وله إعادته مرة أخرى لثبوت أحكام المسح بالخف أو الجورب المباشر للقدم فهذا وجه هذا القول وفيه قوة والنفس تميل إليه ومن أراد الاحتياط بحيث لا يلبس الفوقاني إلا على طهارة فهذا حسن ولكن الاحتياط شيء والمنع شيء آخر. علمًا أنه يلزم المانعين بعض اللوازم كتسلسل مدة المسح لأن الفوقاني لا يتعلق بالتحتاني فله حكم مستقل وكذلك يلزم من جوز لبس الجورب على جورب منع ذلك وإن لبس على طهارة لأن الطهارة طهارة مسح وليست بطهارة ماء فالذي لا يجعلهما بمنزلة الخف الواحد يطالب بالدليل على جواز اللبس على طهارة المسح ولو كنتُ لا أرى جواز لبس ا لجورب الفوقاني على حدث لمنعت لبس الجورب على جورب وإن لبسه على طهارة لأن الطهارة طهارة مسح ولم يرد دليل بجواز ذلك.
والقول بهذا القول أعني منع لبس الجورب على جورب عند من لا يرى جواز لبس الفوقاني على حدث متعين لأنه أسلم من التناقض والاضطراب والعلم عند الله.