ولا أعلم أحدًا من أهل السنة قال بمنع الترحم والاستغفار على أهل البدع مطلقًا فهذا قول الخوارج المارقين وأهل الضلال المنحرفين عن الحق.
والأصل الجامع في ذلك أن كل من قال لا إله إلا الله وشهد أن محمدًا رسول الله ولم نعلم عنه كفرًا ظاهرًا فإنه يُصلى عليه ويستغفر له فإن الله تعالى حين منع من الاستغفار للمشركين في قوله {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى .. } كان هذا دليلًا على جواز الاستغفار على أهل البدع والمعاصي المعدودين في أهل القبلة.
وقد ظن بعض الناس أن امتناع بعض أئمة السلف من الصلاة عليهم دليل على منع الترحم عليهم وهذا من الظن الكاذب المخالف للكتاب والسنة والإجماع.
فما زال المسلمون في المشرق والمغرب يصلون على كل من أظهر الإسلام ما لم يُعْلَم عنه نفاق أو ردة. فمن علم منه ذلك فتحرم الصلاة عليه.
ومن لم يعلم منه ذلك فلا يجوز التقرب لله بترك الصلاة عليه إذا لم يكن في ذلك مصلحة ظاهرة. فقد كان بعض أئمة السلف يمتنعون من الصلاة على أهل الأهواء والمجاهرين بالمعاصي لينتهي أهل البدع عن بدعهم وأهل المعاصي عن شهواتهم فهو من باب إنكار المنكرات وتحصيل المصالح العامة للمسلمين وهذا العمل سائغ للمصلحة وله نظائر في الشرع.
فقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على قاتل نفسه رواه مسلم في صحيحه (978) .
وترك الصلاة على الذي عليه دين ولم يترك وفاءً وقال للمسلمين (( صلوا على صاحبكم ) )رواه البخاري (2298) ومسلم (1619) .
وترك الصلاة على الغال رواه أحمد (4/ 286) وأبو داود (2710) والنسائي (4/ 64) وابن ماجة (2848) وفي إسناده اختلاف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى (24/ 286) وكل من لم يعلم منه النفاق وهو مسلم يجوز الاستغفار له والصلاة عليه بل يشرع ذلك ويؤمر به كما قال تعالى {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} . وقال في منهاج السنة (5/ 235) فكل مسلم لم يعلم أنه منافق جاز الاستغفار له والصلاة عليه وإن كان فيه بدعة أو فسق لكن لا يجب على كل أحد أن يصلي عليه. وإذا كان في ترك الصلاة على الداعي إلى البدعة والمظهر للفجور مصلحة من جهة انزجار الناس فالكف عن الصلاة كان مشروعًا لمن كان يؤثر ترك صلاته في الزجر بأن لا يصلى عليه ... ).