فهرس الكتاب
وذكرنا فيما تقدم ان (فراتًا واجاجًا) قد وقعا في سياق يدل على المبالغة في اصل الوصف، فلفظة (عذب) معناها (حلو) اما فرات فمعناها شديد الحلاوة [1] ، وان فسر بعض اللغويين (فراتًا) بمعنى الماء العذب ولكن زيادة اللفظ في هذا السياق لابد ان تضيف معنى اخر غير معنى اللفظ الاول، وابراز صفة اخرى للماء غير صفة العذوبة ولهذا زيد في الاية الثانية ما يعطي صفة ثالثة لهذا الماء وهو (سائغ شرابه) . وكذا الحال بالنسبة للفظة (اجاج) فهي ليست مرادفة لكلمة (ملح) وانما تعطي معنى اخر وصفة اخرى فالمراد من اجاج"شدة الملوحة والحرارة" [2] .
ولو رجعنا الى السياق القراني لكلتا الآيتين لوجدنا ان هذه الصفات المتعددة المذكورة في حق الماء العذب والماء المالح، إنما كانت لأمرٍ مقصود، فالماء العذب المتحدث عنه في الاية الاولى ليس بمعزل عن الماء المالح إذ جاء السياق في بيان معجزة من معجزات الخالق العظيمة وهي اختلاط ماء البحر العذب بماء البحر المالح من دون ان يمس من صفات الاول صفات الثاني بهذا الاختلاط اذ قال تعالى"وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا -سورةالفرقان/ 53".
ومعنى مرج خلط [3] ، استعير في هذه الاية لشدة المجاورة [4] ، والمقصود بالبرزخ"الحائل بين شيئين، والمراد بالبرزخ تشبيه ما في تركيب الماء الملح مما يدفع تخلل الماء العذب فيه بحيث لا يختلط احدهما بالاخر ويبقى كلاهما حافظا لطعمه عند المصب" [5] .
فذكر الصفات المتعددة لكل نوع من الماء مقصود لبيان انه رغم ذلك الاختلاط والتجاور الشديد الا ان الاول لا يغير من صفات الثاني وان كانت على العكس منه ومضادة له، والاية الثانية ايضا افادت فيها الالفاظ على فعال المبالغة في الصفة لانه قد صدرها بالتعبير عن عدم استواء ماء البحرين اذ قال تعالى"وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا - سورة فاطر/12".
ومن الصفات التي وردت في القران الكريم على (فعال) وعدت من ابنية الصفة المشبهة لفظة (عجاب) في قوله تعالى"أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ- سورة ص/ 5".
(1) ينظر تهذيب اللغة 4/ 567، والتحرير والتنوير 19/ 54.
(2) ينظر المفردات 381.
(3) المفردات 475.
(4) الكشاف 3/ 40.
(5) التحرير والتنوير 19/ 54، وينظر في ظلال القران 7/ 75.