الصفحة 128 من 176

ولفظة (عجاب) هنا على صيغة (فعال) جاءت مبالغة في فعيل أي ان (عجابًا) مبالغة في عجيب، فكثيرا ما ياتي الوصف على (فعال) مبالغة في فعيل كطوال بمعنى طويل الا ان طوالًا ابلغ من طويل، قال الرضي الاسترابادي ( ... .الغالب في باب فعل فعيل، ويجيء(فعال) -بضم الفاء وتخفيف العين- مبالغة فعيل في هذا الباب كثيرا، لكنه غير مطرد، نحو طويل وطوال، وشجيع وشجاع ... ) [1] .

هذا يعني ان الموضع الذي استعملت فيه (عجاب) افادت المبالغة مما يتطلب استعمال (فعال) دون (فعيل) ، ولكي نتبين وجه المبالغة نرجع الى السياق القراني الذي وردت فيه (عجيب) و (عجاب) .

وردت لفظة (عجيب) مرتين الموضع الاول في قول زوجة ابراهيم عليه السلام لما بشرت بولادتها لغلام قال تعالى"قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ- سورة هود/ 72"اما الموضع الثاني الذي وردت فيه فقد كان تعجب الكافرين من ان ياتيهم الله بمنذر ينذرهم قال تعالى"بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ - سورة ق/2".

ونلاحظ ان الامرين المتقدمين هو مما يثير العجب، ففي سياق الاية الاولى توافرت كل دواعي العجب فكيف تلد امراة عجوز وبعلها شيخ، ففي ذلك غاية الغرابة والعجب فالمعهود ان العجوز لا تلد فاذا كانت عقيما، كانت الولادة ابعد فاذا اجتمع الى كل ذلك ان بعلها بلغ من الكبر عتيا كان الامر اشد، ولذا اكد بناء (عجيب) بـ (ان واللام) وفي سورة (ق) كان الامر ايضا عجيبا اذ كيف يكون المنذر والرسول من عامة البشر ياكل ويشرب ويمشي في الاسواق، ولهذا اكدت ايات كثيرة ان الرسول بشر، وأنه ليس من الملائكة.

اما الاية التي وردت فيها لفظة عجاب فقد جاءت في سياق امر هو اكثر خطورة واعظم وهو ما قامت عليه نبوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذلك انه طالبهم بتوحيد الله ونبذ عبادة الاصنام والنهي عن الاشراك به وهذا ما انكروه غاية الانكار ولم يقبلوه، قال ابن كثير:"انكر المشركون ذلك-قبحهم الله- وتعجبوا من ترك الشرك بالله، فانهم كانوا قد تلقوا من ابائهم عبادة الاصنام واشربته قلوبهم، فلما دعاهم رسول الله الى قلع الاوثان وافراد الاله بالوحدانية اعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا: (اجعل الالهة الها واحدا ان هذا لشيء عجاب) " [2] فلما كان الموضع اكثر مبالغة

(1) ينظر شرح الشافية 1/ 109.

(2) مختصر تفسير ابن كثير 3/ 197، وينظر الجامع لاحكام القران 15/ 150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت