ذهب الخليل ومن بعده سيبويه إلى أن ما جاء على (فاعل) وأول بالمفعول إنما هو محمول على النسب، جاء في الكتاب"وقال الخليل: إنما قالوا: عيشة راضية وطاعم وكاس [1] على ذا أي ذات رضا وذو كسوة وطعام، وقالوا: ناعل لذي النعل ..." [2] .
وايد ابن جني رأي الخليل وسيبويه، اذ عرض في كتابه (الخصائص) هذه المسالة بشيء من التفصيل، ذاهبًا الى أن اعتقاد دلالة (فاعل) على (مفعول) إنما حصل بسبب تعبير أهل اللغة، والا فهو خلاف القياس اذ قال:"فأما تفسير أهل اللغة ان استاف القوم في معنى تسايفوا فتفسير على المعنى، كعادتهم في أمثال ذلك الاتراهم قالوا في قول الله عز وجل (من ماء دافق) انه بمعنى مدفوق فهذا - لعمري - معناه، غير ان طريق الصنعة فيه انه ذو دفق كما حكاه الأصمعي عنهم من قوله: ناقة ضارب اذا ضربت وتفسيره انها ذات ضرب أي ضربت، وكذلك قوله تعالى (لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) [3] اي لاذا عصمة، وذو العصمة يكون مفعولًا كما يكون فاعلًا، فمن هنا قيل: ان معناه لامعصوم ... وذو الشيء قد يكون مفعولًا كما يكون فاعلًا" [4] ، فابن جني يقرر ان ما ذهب اليه الخليل وسيبويه من حمل هذا الباب على النسب اولى لان (دافقًا) وان كان بمعنى (مدفوق) فان القياس فيه ان يكون فاعلًا، وتأويل النسب لايؤدي إلى مخالفة القياس لانه يجمع بين الفاعل والمفعول، والى هذا المعنى أشار الراغب الأصفهاني بقوله في (لاعاصم اليوم من امر الله) :"... ومن قال معناه لامعصوم فليس يعني ان العاصم بمعنى المعصوم وانما ذلك تنبيه منه على المعنى المقصود بذلك وذلك ان العاصم والمعصوم يتلازمان فايهما حصل حصل معه الآخر ..." [5] ، وعد الرضي حمل هذا الباب على النسب هو الأولى اذ قال:"قالوا وقد جاء فاعل بمعنى مفعول نحو ماء دافق أي ماء مدفوق وعيشة راضية أي مرضية والأولى ان يكونا على النسب كنابل وناشب اذ لايلزم ان يكون فاعل الذي بمعنى النسب مما لافعل له كنابل بل يجوز ايضًا كونه مما جاء منه الفعل فيشترك النسب واسم الفاعل في اللفظ" [6] .
أما الفراء فكانت له ثلاثة آراء تدل جميعًا على انه يقول بوقوع (فاعل) موقع (مفعول) ،
(1) في قول الحطيئة يهجو الزبرقان بن بدر:
دع المكارم لاترحل لبغيتها ... واقعد فانك انت الطاعم الكاسي
والبيت من البسيط ينظر ديوان الحطيئة ص108.
(2) الكتاب 3/ 382.
(3) آية 43 سورة هود.
(4) الخصائص ج1/ 152 - 153.
(5) المفردات ص336 - 337.
(6) شرح الكافية ج2/ 199.