الرأي الأول: ان مجيء (فاعل) بمعنى (مفعول) استعمال لهجي مطرد عند أهل الحجاز خاصة، وذلك عندما يكون في مذهب نعت، وان من أسباب مجيئه في القرآن الكريم مراعاة الفواصل، قال في تفسير قوله تعالى (من ماء دافق) :"أهل الحجاز افعل لهذا من غيرهم، ان يجعلوا المفعول فاعلًا اذا كان في مذهب نعت، كقول العرب: هذا سر كاتم، وهم ناصب، وليل نائم، وعيشة راضية، واعان على ذلك انها توافق رؤوس الآيات التي هن معهن" [1] .
الرأي الثاني: انه ليس من اختصاص لهجة دون أخرى، بل هو مستعمل عند عامة العرب إلا انه مقيد عندهم بإفادة المدح او الذم، قال في تفسير قوله تعالى:"فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ- سورة الحاقة/21":"والعرب تقول: هذا ليل نائم، وسر كاتم، وماء دافق، فيجعلونه فاعلًا، وهو مفعول في الاصل، وذلك: انهم يريدون وجه المدح او الذم، فيقولون ذلك لاعلى بناء الفعل، ولو كان فعلًا مصرحًا لم يقل ذلك فيه، لانه لايجوز ان تقول للضارب: مضروب، ولا للمضروب: ضارب، لانه لامدح فيه ولاذم" [2] .
ويبدو ان الفراء أراد بقوله (المدح او الذم) الوصفية عمومًا، يدل على ذلك انه قابلها بالفعل المصرح ومثل له بـ (ضرب) وهو (العمل) عند سيبويه؛ أي: الفعل الإيقاعي، في مقابل الفعل الوصفي غير الإيقاعي، وهو ما اسماه هاهنا مدحًا او ذمًا، فالوصف بيان صفة الموصوف أن كانت ممدوحة او مذمومة، وهذا يذكرنا بقوله السابق (ان كان في مذهب نعت) ، فقد اتفق الشرطان عنده الا انه كثر عند أهل الحجاز في الرأي الأول.
الرأي الثالث: إن دلالة فاعل على المفعول دلالة مطلقة غير مقيدة بلهجة او مدح او ذم، وانما هي كدلاله (فعيل) وغيره على مفعول مستدلًا على ذلك بان ما ورد من هذا القبيل ليس له فعل مبني للفاعل، وانما هو من فعل مبني للمفعول قال:"ولاتنكرن ان يخرج المفعول على فاعل، الا ترى قوله (من ماء دافق) فمعناه والله اعلم: مدفوق، وقوله (في عيشة راضية) معناها مرضية ... تستدل على ذلك انك تقول: رضيت هذه المعيشة ولاتقول: رضيت ودفق الماء ولاتقول: دفق ..." [3] .
ولم يستبعد ابن مالك ان يقع (فاعل) موقع (مفعول) كما يبدو من قوله:"... وربما خلف فاعل مفعولًا ..." [4] .
(1) معاني القرآن ج3/ 255، وينظر ما خالف معناه مبناه ص12.
(2) معاني القرآن ج3/ 182، وينظر ما خالف معناه مبناه ص12.
(3) نفسه ج2/ 15 - 16، وينظر ما خالف معناه مبناه ص12.
(4) تسهيل الفوائد ص136، وينظر المساعد على تسهيل الفوائد ج2/ 630.