الصفحة 60 من 176

وهنالك فريق ثالث يرى أن ما جاء من هذا الباب إنما هو فاعل على حقيقته، قال المبرد في قوله تعالى (لاعاصم اليوم من امر الله الا من رحم) :"... (فالعاصم) الفاعل و (من رحم) معصوم ... ." [1] ، بل ان بعض أصحاب هذا الرأي أنكر صراحةً مجيء (فاعل) بمعنى (مفعول) قال ابو جعفر النحاس (ت338هـ) :"... فاعل بمعنى مفعول فيه بطلان البيان ولايصح ولاينقاس ولو جاز هذا لجاز ضارب بمعنى مضروب" [2] ، وصرح أبو علي الفارسي بان استعمال (فاعل) موقع (مفعول) لم يثبت، اذ قال:"... لايثبته أصحابنا ولا البغداديون وانما جاء به أهل اللغة ..." [3] ، أيد أبو علي الفارسي ما ذهب إليه المبرد في ان (عاصمًا) فاعل على حقيقته [4] .

أما البلاغيون عدوا وقوع إحدى هاتين الصيغتين (فاعل ومفعول) موقع الأخرى ضربًا من المجاز العقلي، لان الفعل في (راضية) ونحوها اسند إلى غير فاعله الحقيقي اسند ما بني للمفعول الى الفاعل، قال الشريف الرضي:"... وكان الوجه ان يقال في (عيشة راضية) ، مرضية ولكن المعنى خرج على مخرج قولهم: شعر شاعر وليل ساهر، اذا شعر في ذلك الشعر وسهر في ذلك الليل، فكانهما وصفا بما يكون فيهما لابما يكون منهما، فبان ان تلك العيشة لما كانت بحيث يرضى الإنسان فيها حال جاز أن توصف هي بالرضا، فيقال (راضية) على المعنى الذي أشرنا إليه" [5] ، وهو كذلك عند الخطيب القزويني [6] ، وعد آخرون ما جاء على (فاعل) بمعنى (مفعول) ضربًا من المجاز المرسل لعلاقة الاشتقاق [7] .

ورد في القرآن الكريم (اربعة عشر) لفظًا من أوزان اسم الفاعل قيل أنها بمعنى المفعول، ستة منها بزنة (فاعل) وهي (آمن) في قوله تعالى:"وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا- سورة البقرة/126، وسورة ابراهيم/35"وقوله تعالى"أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ- سورة القصص/57"، و (دافق) في قوله تعالى"خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ- سورة الطارق/6"، و (ساحل) في قوله تعالى"فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ- سورة"

(1) المقتضب ج4/ 413 - 418.

(2) إعراب القرآن ج3/ 673 - 674.

(3) ينظر ارتشاف الضرب ص74، ولم اعثر على نص ابي علي هذا في كتابيه (الإيضاح) و (التكملة) .

(4) ينظر الايضاح ص212.

(5) تلخيص البيان في مجازات القرآن ص344، وينظر البلاغة العربية ص12 - 13.

(6) ينظر التلخيص في علوم البلاغة ص45، واساليب المجاز في القرآن ص160 - 161.

(7) ينظر اساليب المجاز ص162.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت