ونلاحظ أن السياق القرآني للآيات السابقة لهذه الآية هو الذي وجّه تفسير لفظة (باقية) الى هذه الوجوه، فقد قال تعالى في إهلاكِ قومِ عاد"وأماّ عادَُ فأهلكو ابريحٍ صرصرٍ عاتية (سَخّرَها عليهم سبعَ ليالٍ وثمانية أيام ٍ حسوما فترى القومَ فيها صرعها كأنّهم أعجازُ نخلٍ خاوية - سورة الحاقة / 6 - 7"
وهذا الاهلاك الشديد والعذاب العظيم مما يستوجب عدم بقاء قومِ عاد فقد أهلكوا على بكرةِ أبيهم، ومن ثم ّ عدم بقاءِ أثرٍ لهم.
وقد عدّ الراغب الأصفهاني دلالة (باقية) على اسم الفاعِل هو الأصح إذ قال:"وقوله تعالى (فهل ترى لهم من باقية) أي جماعةٍ باقية أو فِعلَةٍ باقية وقيل معناه بَقِيّة قال وقد جاء من المصادر ما هو على فاعِل وما هو على بناءِ مفعول والأوّل أصحُّ" [1] وربمّا عدّ الراغب الأصفهاني حملُ (باقية) على اسم الفاعِل هو الأصح لأنّ هذا المعنى لا ينقل اللفظ الى غير دلالته المعهودة ما دام في هذه الدلالة موافقة ومواءمه للسياق الذي وردت فيه.
ووردت لفظة (الخاطِئة) في قوله تعالى"وجاء فرعون ومن قبلة والمُؤتفكات بالخاطِئة - - سورة الخاقة / 9"وذكر المفسرون فيي تأويلها وجهين. الأوّل أنْ تكون خاطِئة اسم فاعِل لموصوف محذوف والتقدير بالفعلة او الفعلات الخاطِئة، والوجه الثاني أن تكون مصدرًا جاء على فاعِلة كالعاقبة [2] ، قال ابن عاشور"والخاظِئة: إماّ نصدر بوزن فاعِلة وهاؤه هاء المنَرّة الواحِدة فلما استعمل مصدرا قطع النظر عن المرّة، ... فهو مصدر خطئ، إذا أذنبَ، والذنب: الخِطء بكسر الخاء، وإمّا اسم فاعل خطئ وتأنيثه بتأويل: الفعلة ذات الخِطء فهاؤه هاء تأنيث" [3] وعلى تأويل المصدر يكون تقدير الخاطِئة: الخطيئة.
ومما وردَ على بناءِ (فاعِلة) وأوّل بالمصدر لفظُ (خائبِة) وذلك في قوله تعالى"يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور - سورة غافر /19"قال ابو حيان الأندلسي:"وجوّزوا أن تكونَ خائِنة مصدرا كالعافية والعاقبة أي يعلم خيانة الأعين، ولمّا كانت الأفعال التي يقصد بها التكتم بدنية فأخفاها خائنة الأعين من كسر جفنٍ وغمز ونظر يفهم منه معنى ويريد صاحبها معنى آخر" [4]
وجوّزَ بعضهم ابقاء (خائِنة) على ظاهرِ اسم الفاعِل فتكون صفة لموصوف محذوف دلّ عليه لفظ الأعين أي يعلم نظرة الأعين الخائِنة [5] .
(1) المفردات ص 56.
(2) ينظر البحر المحيط ج 8/ 321.
(3) التحرير والتنوير ج 29/ 121.
(4) البحر المحيط ج 7/ 457.
(5) التفسير الكبير ج 25/ 139، والتحرير والتنوير 24/ 116.