الصفحة 89 من 176

مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ - سورة النحل/58، وسورة الزخرف/17"، وقد ذكر في (كظيم) في سورة يوسف قولان، الاول: انه فعيل بمعنى مفعول والثاني انه صيغة مبالغة في الفاعل ومعنى كظيم شديد الكظم الممسك لغيظه وحزنه فلا يظهره لاحد [1] ،والقول الثاني هو الراجح عند أبي حيان لانه اللائق بحال يعقوب [2] وكذلك رجحه الالوسي [3] ، وهذا القول هو الراجح عندي ايضا لان سياق الاية التي فيها (كظيم) جاء في بيان حال يعقوب (ع) بعد فقد ولده يوسف (ع) لمدة (ثمانين) عاما [4] فطيلة هذه المدة لم يشك يعقوب عليه السلام حزنه الا لله سبحانه وتعالى"قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ - سورة يوسف/86"فكان يكتمه في نفسه ويمسك همه ولا يرسله بالشكوى والضجر فالموضع موضع مبالغة فجاءت (فعيل) مناسبة لتاكيد هذا المعنى ويترجح ايضا في لفظ (كظيم) في قوله تعالى"ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ"ان يكون فعيلا بمعنى فاعل وقد ذكر فيه القولان ايضا الدلالة على المفعول والدلالة على الفاعل [5] لانهم في الجاهلية كانوا يعدون ولادة الاناث عارا ومنقصة لهم، لذلك يحاول الذي يبشر بالانثى ان يخفي حزنه عن الناس لكي لا يكون حزنه وغيظه دليلا على انه قد ولدت له انثى فهو يجهد نفسه في كظم غيظه لئلا يراه احد"يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ - سورة النحل/59"، واما ما استدلوا به على دلالة (كظيم) على (مكظوم) وهو قوله تعالى"فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ - سورة القلم/48"، فاجد فيه دليلا على ان كظيما فاعل لا مفعول لان من وصف بـ (مكظوم) وهو النبي يونس (ع) لم يكظم غيظه بل كان مملوءا غيظا من قولهم كظم السقاء اذا ملاه ولذلك امر الله رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بان لا يكون كصاحب الحوت أي"لايوجد منك ماوجد منه من الضجر والمغاضبة فتبتلى ببلائه" [6] ."

(1) ينظر جامع البيان 13/ 38، والكشاف 2/ 498 وزاد المسير 4/ 271.

(2) ينظر البحر المحيط 5/ 338.

(3) ينظر روح المعاني 13/ 37

(4) ينظر روح المعاني 13/ 37

(5) ينظر روح العاتي 14/ 153.

(6) ينظر الكاشف 4/ 596

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت