و أما بالنسبة إلى أخطاء الجابري المنهجية المتعلقة بعلم الكلام و أصول الدين ، فهي كثيرة و متنوعة ، أذكر منا طائفة في مجموعتين ، الأولى تتعلق بالقضاء و القدر ، و صفات الله تعالى ، و تتضمن خمسة أخطاء ، أولها إن الجابري يرى أن آيات القرآن متعارضة فيما يخص مسألة القضاء و القدر ، فمنها آيات تفيد الاختيار ، كقوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} - سورة الإنسان/3-، و {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} -سورة لقمان/12- و منها آيات تفيد الجبر ، كقوله تعالى: {مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} -سورة الأعراف/178- ، و { فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} - سورة النحل/36- (1) .
و فهمه هذا-لآيات الجبر و الاختيار- غير صحيح ، لأنه أولا يخالف ما نص عليه القرآن صراحة من أنه كتاب مُحكم غير متناقض لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه ، لقوله تعالى: كتاب أُحكمت آياته ثم فُصلت من لدن حكيم خبير )) -سورة هود1- ، و أنه كتاب {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} - سورة فصلت/42- ، و عليه فلا يصح شرعا و لا عقلا القول بأن آيات القرآن متناقضة فيما بينها . نعم قد تكون متعارضة في عقول بعض الناس ، لكنها في الحقيقة ليست متعارضة أصلا في كتاب الله تعالى ، و ما علينا إلا البحث و التدبر فيها ، لحل إشكالاتها المُتوَهمة ، من خلال الفهم الصحيح لها ، بتفسير القرآن بالقرآن ،و بالسنة النبوية ، و بما أجمع عليه الصحابة ، و بما صحّ في بدائه العقول و العلم الصحيح .
(1) العقل الأخلاقي ، ص: 81، 82 ، 86 . بنية العقل ، ص: 535 .