ثالثا: المقارنة من حيث الموقف من الإسلام: (( مصدرا ،و اعتقادا ، و مكانة ) )
نخصص هذه المقارنة لإبراز موقف أركون و الجابري من الإسلام، من حيث المصدرية ، و الاعتقاد، و الفهم، و مكانة الإسلام في فكر الرجلين . فبخصوص المصدرية المتمثلة في الكتاب و السنة ، فقد طعن أركون في مصدرية القرآن ،و شكك فيه مرارا و تكرارا ، و زعم أن أصوله -أي القرآن- الأولى قد ضاعت ، وأنه تعرّض للتحريف ،و لم يُكتب في العهد النبوي ، من دون أن يُقد م دليلا صحيحا ، مُسايرا في ذلك شيوخه المستشرقين . و قد ناقشناه في مزاعمه و شبهاته و نقضانها عليه، بتوسع في الفصل الثالث .
و أما موقفه من السنة النبوية ، فكان أسوأ من موقفه من القرآن ، فقد زعم أنه لم يُحفظ منها إلا القليل اليسير ، و الباقي مكذوب مُفتعل ، و ما هو إلا اختلاق مستمر ، متبعا في ذلك ما يقوله أساتذته المستشرقون الذين سبقوه إلى القول بتلك المزاعم ،و قد ناقشناه في شبهاته و دعاويه و نقضناه عليه في الفصلين الأول و الثالث .
و أما الجابري فموقفه من مصدرية القرآن يختلف تماما عن موقف صديقه أركون ، فلم أعثر له على ما يُشير إلى أنه طعن في مصدرية القرآن الربانية أو شكك فيها . و قد نوّه بأهميته كمصدر موثوق في التأريخ للسيرة النبوية ،و قد أشار إلى ذلك في القسم الذي خصصه للسيرة النبوية من كتابه العقل السياسي العربي .
لكن موقفه من السنة النبوية يختلف تماما عن موقفه من القرآن الكريم ، و يقترب كثيرا من موقف أركون من السنة النبوية ، و ذلك أنه طعن في طريقة جمع السنة و تحقيقها التي اتبعها المحدثون في جمعهم لها و تمييز صحيحها من سقيمها ، و قد ناقشناه في ذلك و رددنا عليه في الفصلين الأول والثالث .
و أما موقفهما من حيث الاعتقاد بدين الإسلام ، فإن من يقرأ ما كتبه أركون عن الإسلام ، و ما نقلناه عنه في الفصلين الثاني و الثالث من طعن في الإسلام ، و تشكيك فيه ، و هجوم عليه ، و تحريض عليه ، فإنه يحكم على هذا الرجل-أي أركون- بأنه ليس مسلما ، و ما هو إلا مستشرق يحمل اسم المسلمين ؛ لكنه يندهش من جهة أخرى عندما يجد هذا الرجل يُظهر حرسه على الإسلام ،و يقول مرارا بأنه مسلم (1) . إنه رجل متناقض مع نفسه ، عليه أن يُزيل هذا التناقض إذا كان مُخلصا فيما يكتب و يقول . و أما إذا كان متلاعبا طالبا للشهرة على طريقة خالف تُعرف ، فهو لا يُبالي بذلك التناقض و لا يهمه .
و أما الجابري فهو يختلف عن أركون من حيث الاعتقاد بدين الإسلام ، فكتبه شاهدة -خاصة المتأخرة منها- على أنه يَدين بالإسلام عقيدة ، و لم أعثر على ما ينقض ذلك صراحة كما هو حال أركون . لكنه هو أيضا متناقض مع نفسه بين اعتقاده بالإسلام ،و بين مشروعه الفكري العلماني القومي، الذي سنشير إليه قريبا إن شاء الله تعالى .
و أما من حيث فهمهما للإسلام ، فإن الرجلين لهما أخطاء كثيرة في فهم الإسلام ، ذكرنا طرفا منها في الفصل لثاني ، كان فيها أركون أكثر خطأ في فهمه للإسلام من الجابري .
(1) أنظر: الإسلام ، أوروبا ، ص: 44، 45 ، 126 ، 132 ، 138 ، 140 .