و أما مكانة الإسلام في فكر الرجلين ، فإن الإسلام عند أركون ما هو إلا تراث موروث فقد دوره العملي اليوم بحكم قانون التاريخية المزعوم . و هو ليس مصدرا للتشريع و لا للأخلاق ،و لا للمفاهيم و العقائد، و ليس هو دينا إلهيا كما يدعي المسلمون ،و لا يختلف عن غيره من الأديان كالمسيحية و اليهودية .
و هو مُعقّد جدا تجاه الإسلام ، ينزعج من كل من يمدحه أو يُنصفه، أو يُبجله و يُدافع عنه، أو يعترف بمحاسنه و خصائصه الربانية التي تميزه عن غيره من الأديان الأخرى (1) . و في مقابل ذلك نجده يفتخر بمؤلفاته ،و يمدح أعمال شيوخه المستشرقين ، و يصدق عليه قوله تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} - سورة الزمر/45-. إنه رجل مُعقد تجاه الإسلام ، كثير الدعاوى و الافتخار بمؤلفاته الهزيلة . و إنه مسكون بهواجس و شكوك ، و خيالات و شبهات لا حقيقة و لا وجود لها إلا في فكره و في تراث شيوخه .
و أما الجابري ، فمكانة الإسلام في مشروعه الفكري تُشبه مكانته في فكر أركون في جوانب ،و تختلف عنها في جوانب أخرى ، فالإسلام عنده موروث حضاري ، اُستهلك خلال مرحلته التاريخية الممتدة من نهاية العصر الجاهلي إلى عصر النهضة العربية الحديثة في القرن التاسع عشر الميلادي و ما بعده . فهو الآن مُقوِّ م تاريخي و حضاري من المقومات الأساسية للقومية العربية (2) .
(1) أنظر مثلا: تاريخية الفكر ، ص: 86، 123، 140 ، 199 . و الفكر الإسلامي ، ص: 83 ، 184، 193 .
(2) أنظر: تكوين العقل ، ص: 338 . و بنية العقل ، ص: 571 . و التراث و الحداثة ، ص: 116 ، 117 .
رابعا: المقارنة من جهة الأهداف و الخصائص: