ثالثا: الأخطاء المنهجية المتعلقة بعلم الكلام و أصول الدين:
و قع كل من محمد أركون ، و محمد عابد الجابري في أخطاء منهجية متنوعة ، تتعلق بنظرتهما إلى قضايا من علم الكلام و أصول الدين ، و موقفهماا منها ، فبخصوص أركون فلم أعثر له على أخطاء كثيرة في هذا المجال ، لأنه ليس من اختصاصه ، و لم يركز عليه في مؤلفاته-التي أطلعتُ عليها- ؛ عكس الجابري الذي كَثُرت أخطاؤه في هذا المجال ، التي سنتناولها في موضعها المخصص لها من مبحثنا هذا ، إن شاء الله تعالى .
و سأذكر من أخطاء أركون أربعة ، أولها إنه زعم أن علم أُصول الدين ، دُشن من قِبل أبي الحسن الأشعري (ت 324ه) ، و أبي منصور عبد القاهر البغدادي (ت 429ه) (1) .و قوله هذا غير صحيح تماما ، لأن علم أصول الدين موجودة أصوله و فروعه في القرآن الكريم بأكمل وجه و أوفاه ، سواء فيما يتلق بالله وصفاته ، أو بخلق الكون و نهايته ، أو بالإيمان و الكفر ، أو بالرسل و دعواتهم . كما أنه -أي علم أصول الدين- قد دُشن فعليا على أيدي أهل العلم في القرن الثاني الهجري بظهور الطوائف المذهبية و الفكرية ، كالمعتزلة ، و الجهمية ، و المشبهة ، و أهل السنة ، ثم أزدهر أكثر في القرن الثالث الهجري عندما اشتد النزاع الفكري حول مسائل العقيدة ، كقضية خلق القرآن ، و صفات الله تعالى ، الأمر الذي أدى إلى كثرة المؤلفات في علم أصول الدين ، فصنف المعتزلة كتبا ، منها: كتاب الحجج ، و كتاب القوالب،و كتاب الأعراض ، و هي للمتكلم أبي الهذيل العلاف المعتزلي (ت226أو235ه) (2) ، و ألف أهل السنة مصنفات أصولية ، منها: الرد على الزنادقة و الجهمية لأحمد بن حنبل ، و كتاب خلق أفعال العباد للبخاري ، و تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ، و كتاب الرد على الجهمية لأبي سعيد الدارمي ، و هذه المصنفات كلها مطبوعة و متداولة بين أهل العلم ، و هي قد أُلفت قبل أن يُصنف أبو الحسن الأشعري كتبه على مذهب أهل السنة، عندما كان ببغداد في الربع الأول من القرن الرابع الهجري (3) .
(1) الفكر الأصولي و استحالة التأصيل ، ص: 129 .
(2) عبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفرق ، ص: 123 ، 124 ، 132 .
(3) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب ، ج 4 ص: 130 و ما بعدها .