فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 613

أولا: المقارنة من حيث الالتزام بالمنهجية العلمية:

نتناول في هذا المبحث المقارنة بين أركون و الجابري من حيث الالتزام بالمنهجية العلمية ، من خلال سبعة جوانب تتعلق بها ، أولها: استخدام المصادر ، فبالنسبة لأركون فإنه اخذ معظم مادته العلمية عن الإسلام و تراثه و تاريخه ، من كتب المستشرقين ، من دون الرجوع إلى المصادر الإسلامية في الغالب الأعم.و هذا عمل مرفوض علميا و منهجيا ،و مردود على صاحبه ، لذا فنحن نطالبه بأن يتحرر من قيود المستشرقين و أغلالهم،و يرجع إلى مصادرنا بموضوعية و روح علمية حيادية نقدية ، من دون خلفيات استشراقية مُبيتة .

و أما الجابري فهو أحسن حالا من أركون فيما يتعلق باستخدام المصادر ، لكنه لم يكن في المستوى المطلوب ، فقد اعتمد على مصادر قليلة بالنسبة للمواضيع التي ناقشناه و رددنا عليه فيها ؛ خاصة المتعلقة بالأخبار التاريخية ، التي لم تكن لها قيمة علمية معتبرة ، و بعضها مطعون فيه لا يصح الاعتماد عليه ،و لا يُؤخذ منه إلا بحذر و تمحيص .

و الجانب الثاني يتعلق بتوثيق المادة العلمية التي استخدماها الباحثان ، فبخصوص أركون فإنه لم يلتزم بتوثيق المعطيات و الشواهد و الروايات التي استخدمها ، فمعظمها كان بلا توثيق . و نفس الأمر يصدق على الجابري ، فإنه ذكر مادة علمية غزيرة في مؤلفاته من دون أ، يُوثقها ، لكنه مع ذلك فهو أحسن حالا من أركون في هذا الأمر .

و أما الجانب الثالث فيتعلق بالذاتية و الموضوعية ، فبالنسبة لأركون فلم يكن حياديا في كل ما كتب تقريبا ، بل كان ذاتيا متحيزا في أكثر ما كتبه عن الإسلام و ما يتعلق به . حتى أن سمح لنفسه -لفرط تحيزه- أن يتحدى مشاعر المسلمين بلا دليل من الشرع ، و لا من العقل ، و لا من العلم ، و يُظهر انزعاجه منهم و من دينهم ، من دون احترام لهم و لا لدينهم في كثير من المواضع من مؤلفاته ، مع كثرة الدعاوى العريضة و المغالطات ، . و قد مارس ذلك باسم العلم و الموضوعية و العقلانية ،و هو بعيد عن ذلك في معظم ما كتب عن الإسلام (1) ، و قد ذكرنا على ذلك أمثلة كثيرة جدا فيما سبق أن ذكرناه .

و أما الجابري فهو أيضا لم يكن حياديا في كثير مما كتبه ، لكنه أقل ذاتية من أركون ، فهو قد مارس التحيز و التدليس و التغليط في طرح أفكاره و الانتصار لها ، و قد ذكرنا طرفا منها ، كسكوته عن أخطاء المعتزلة و أرسطو ، بدعوى الانتصار للعقلانية ، و هذا عمل ليس من الموضوعية العلمية في شيء ، فالحق أحق أن يُتبع ، و العقلانية الحقة تفرض على صاحبها الالتزام بالحق في كل الأحوال .

و الجانب الرابع يتعلق بموقف محمد أركون و عابد الجابري من منهج نقد الخبر عند أهل الحديث ، فإنهما قد اتفقا في موقفهما منه ، فطعنا فيه بلا فهم صحيح له، و بلا دراية به ، و حطّا على أصحابه بلا حق . و قد ناقشناهما و رددنا عليهما بما فيه الكفاية في المبحث الثاني من الفصل الأول .

(1) بناء على كتبه التي أطلعتُ عليها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت