ثانيا: الأخطاء التاريخية المتعلقة بالفتنة الكبرى (35-41ه) :
و قع الباحث محمد عابد الجابري في أخطاء تاريخية كثيرة جدا تتعلق بموضوع الفتنة الكبرى و ما نتج عنها ، أذكرها في ثلاث مجموعات ، الأولى تتعلق بأسباب الثورة على الخليفة الشهيد عثمان بن عفان- رضي الله عنه- ، و تتضمن أربعة أخطاء ، أولها يتمثل في أنه ادعى أن الفقر و الحاجة هما اللذان حركا الثورة على عثمان و قريش ، فكان العامل الاقتصادي هو المحرك لها ، الذي أحدث صراعا طبقيا بين الفقراء و الأغنياء بسبب سوء توزيع الثروة ، مما أدى إلى تكدس الثروات من غنائم و خراج الفتوحات ، بيد فئة قليلة في المركز ، مقابل اتساع حجم العامة في الأمصار و المدن و الأرياف؛ فأحدث ذلك تفاوتا واسعا و عميقا بين الأغنياء و الفقراء . و قد زاد في حدة ذلك الوضع توقف الفتوحات و ازدياد النمو السكاني، و هجرة الأعراب إلى الأمصار . و قد كان عامل عثمان على الكوفة سعيد بن العاص يقول عن الأراضي الزراعية بسواد الكوفة: (( إنما السواد بستان قريش ) ). و مما يدل على فقر العامة أنه عندما دخل الثوار إلى المدينة ناقمين على عثمان ، تدخل علي بن أبي طالب و أخذ ما في بيت المال و وزعه عليهم (1) .
و قوله هذا غير صحيح تماما تقريبا ، فيه أخطاء كثيرة جدا ،و صواب قليل جدا ، لأنه أولا إن قوله هذا تغلب عليه المزاعم و الدعاوى ، و يفتقد إلى الشواهد و الأدلة التاريخية الصحيحة ؛ علما بأن الدعاوى لا يعجز عنها أحد ، و هي في متناول كل إنسان ، عكس الحقائق التي هي ليست في متناول أي إنسان . و بناء على ذلك فإننا نرى أن الجابري لم يٌقدم فيما ذهب إليه دليلا صحيحا واضحا ، و بالغ في توجيه النصوص لخدمة ما أرتأه ،و أغفل نصوصا أخرى تخالف ما ذهب إليه ، سنذكرها قريبا إن شاء الله تعالى .
(1) العقل السياسي ، ص: 141 ، 143 ، 146 . 147 ، 148 ، 150 ، 184 . و التراث و الحداثة ، ص: 113 ، 116 .