و أما الباطل في كلامه ، فيتمثل في أنه نسي أو تناسى أن تاريخ الدعوة الإسلامية كلها مُسجل بخطوطه الكبرى وبكثير من التفاصيل-فيما يتعلق ببعض الحوادث- في القرآن الكريم ، أولا ، و في السنة النبوية الصحيحة ثانيا ، و في السيرة النبوية الصحيحة ثالثا ، و في التاريخ الصحيح الثابت و المتواتر رابعا. كما أنه تناسى أن تاريخ صدر الإسلام قبل الفتنة كان في عمومه صحيحا معروفا لدى الناس و منتشرا بينهم ، قبل ظهور دواعي الكذب السياسية و المذهبية و المصلحية ؛ فلما حدثت الفتنة ، و انقسمت الأمة ، و كَثُر الكذب بين الناس ، هب علماء الإسلام للحفاظ على السنة النبوية و تنقيتها مما شابها من كذب و تحريف ، فوضعوا منهجا نقديا علميا كاملا صارما ، لتمييز صحيح السنة من سقيمها بنقد الأسانيد و المتون معا (1) ؛ و بفضله حُققت السنة النبوية ، و كثير من الروايات التاريخية المتعلقة بالصحابة ، غير أنه ما تزال روايات كثيرة جدا عن تاريخ صدر الإسلام تنتظر التحقيق العلمي وفق ذلك المنهج ،و الأمر ليس صعبا لو يجد من يتفرغ له و يتولاه . و بذلك يتبن أن ما ادعاه أركون و صاحبه هو زعم باطل عندما أدعيا أن تاريخ الإسلام الأولي قد خُرب و أُفسد إلى الأبد . فهذا كلام باطل مردود عليهما له خلفيات مذهبية حوّلت الحبة الصغيرة المُعبرة عن حقيقة تاريخية ، إلى قبة كبيرة معبرة عن أكاذيب كثيرة ، لا حقيقة لها في الواقع .
(1) أنظر: عجاج الحطيب: السنة قبل التدوين ، ص: 219 و ما بعدها .