فهرس الكتاب

الصفحة 577 من 613

و الخطأ الثالث يتمثل في قول أركون بأن المغرب الإسلامي خضع بشكل مُبكر للنسخة المالكية للعقل الإسلامي (1) . و قوله هذا غير صحيح ، لأن المذهب المالكي لم يُهيمن على العقل الإسلامي بالمغرب إلا في منتصف العصر الإسلامي تقريبا ، بعد عدة قرون من المنافسات و الصراعات مع المذاهب الأخرى التي دخلت المغرب الإسلامي ، و لم يتمكن من الانفراد به انفرادا تاما إلا بعد زوال الدولة الموحدية سنة 668هجرية .و قبل ذلك كان الوضع مختلفا عن ذلك ، ففي القرن الثاني الهجري هيمن على المغرب المذهب الأوزاعي و الصفري و الإباضي ، و في القرن الثالث انتشر المذهب المالكي ،و دخل في نزاع مع المذاهب الأخرى . و في نهاية نفس القرن -أي الثالث- انتشر المذهب الشيعي الإسماعيلي ، و فرضته الدولة العُبيدية بالقوة على بلاد المغرب ، فتعرض المالكية لمحن كثيرة من قتل و تشريد و تعذيب ، على أيدي العُبيديين . ثم تغير حالهم زمن الدولة الزيرية التي انتصرت للمذهب المالكي نحو سنة 434هجرية ، ففرضته على الرعية ، و تعصبت على المذاهب الأخرى ، ثم ازداد قوة و انتشارا في زمن الدولة المرابطية (453-541ه ) ، فتبنته تلك الدولة و انتصرت له بقوة . ثم تغير حاله زمن الدولية الموحدية ( 541-668ه) ، التي حاربت المذهب المالكي بحرق كتبه و منع الاشتغال به، و مطاردة علمائه ، و الدعوة إلى المذهب الظاهري في الفروع على طريقة ابن حزم الأندلسي (2) . ثم لما زالت دولة الموحدين تغير حال المذهب المالكي و فرض سيادته على كامل بلاد المغرب تقريبا .

(1) تاريخية الفكر ، ص: 92 .

(2) عن ذلك أنظر: الذهبي: العبر في خبر من غبر ، ج 60 . و السير ، ج 21 ص: 314 . و السلاوي الناصري: الاستقصاء ، ج 74، 75 ، 125 ، 177، 194، 200 . و عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب في العصر الإسلامي ،مؤسسة شباب الجامعة ، مصر ، د ت ، ص: 447 و ما بعدها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت