الصفحة 138 من 146

كان الشيخ القسام رحمه الله تعالى، إمامًا وخطيبًا لجامع الاستقلال في مدينة حيفا بفلسطين. وقد عرف رحمه الله بشجاعته وصلابته في الحق وتفانيه في خدمة الإسلام، وحين رأى حالة المسلمين في بلاده، وسيطرة الكفار المستعمرين الانكليز عليهم، وهم الذين يوالون اليهود ويمدونهم بالسلاح والعتاد، اختار جماعة من إخوانه المؤمنين، وأخذ يدربهم سرًا على حمل السلاح، وينفث فيهم روح المصابرة على جهاد الأعداء، حتى استطاع رحمه الله أن يكوّن منهم كتيبة.

(ولما رأى وعلم حاكم لواء حيفا وهو من الانكليز بما يفعله الشيخ، أرسل إليه وقال له: يا شيخ إنك متحرك وذو نشاط مناوئ لنا، فرد عليه قائلًا: بعد أن أخرج المصحف الشريف من جيب جبته، هذا الكتاب العظيم يأمرنا بالجهاد ولا نخالفه، ثم إن الشيخ أعلن الجهاد عن طريق الفتك بالانكليز، فخرج هو يقود كتيبته يترصدون العدو، فقتل أفرادًا منهم في مدينة بيسان. ثم سار بمن نجا حتى وصل أحراش يعبد بالقرب من مدينة جنين. فاتخذها مقرًا له، وفي 19 تشرين الثاني 1935م استشهد أحد أفراد الكتيبة عندما كان يراقب الطريق، وفي فجر اليوم التالي طوقت قوات بريطانية ضخمة، تلك الأحراش تساعدها طائرات استكشافية وبعد قتال استمر حتى العاشرة صباحًا انتهت المعركة باستشهاد الشيخ القسام وأربعة من كتيبته وأسر الباقون. وقد قتل جندي بريطاني وجرح اثنان جراحًا بالغة [1] . (فأصدرت السلطة بلاغًا بالحادث نعتت به الشيخ القسام وصحبه بالأشقياء. ورغم خطورة الموقف وإرهاب الانكليز استطاع المسلمون أن يشيعوا المجاهدين الشهداء باحتفال عظيم، جرت في أثنائه مع قوة بريطانية مناوشة، أدت إلى ارتدادها وتحطيم نوافذ دائرة البوليس وأبوابها. وقد هز هذا الحادث البلاد هزًا عنيفًا فيصح اعتباره مقدمة لثورة 1936م [2] .

استمر الجهاد بعده ... ودخلت الجيوش ... الثمانية المعروفة. ولم يترك بعض العلماء الجهاد [3] ، ولكن كانت النتيجة المخزية ... بإنشاء دولة إسرائيل لتكون رأس جسر للاستعمار، ثم حولت قضية هذا الوطن المقدس، من قضية إسلامية بين المسلمين جميعًا، وبين اليهود ومعهم الكافر المستعمر إلى قضية محلية بين العرب واليهود، ثم انتقلت من قضية سياسية عسكرية إلى قضية لاجئين وحدود وتعويضات.

مع أن هذه القضية في الحقيقة والواقع، قضية المسلمين أجمع والنزاع فيها نزاع بين حق المسلمين وباطل اليهود ومعهم الاستعمار، وفي مقدمته أمريكا وبريطانيا، وأنها قضية سياسية عسكرية، وليس لها إلا حل واحد. هو النزول للجولة الثانية، والعودة إلى مواصلة القتال ولو كلف تحرير هذا الوطن المقدس من رجس الكفار والمستعمرين، استشهاد ملايين المسلمين. لأن هذا جهاد في سبيل الله، وهو فرض على جميع المسلمين.

(1) [موجز ما حدثني به الأخ الشيخ علي محمد الحانوتي من علماء فلسطين ونزيل بغداد اليوم. أعاده الله وإخوانه إليها في تمام النصر وكمال الغلبة] .

(2) [ (97) (98) القضية الفلسطينية أكرم زعيتر] .

(3) [منهم الشهيد الشيخ حسن البنا والشهيد الشيخ محمد فرغلي وغيرهما من حملة الإسلام وحاملي لواء الشريعة الغراء راجع -المقاومة السرية لكامل الشريف] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت