فهرس الكتاب
تبوأ الشيخ عبد القادر بن الشيخ محيي الدين الحسني أكبر مركز بين العلماء في المغرب، فقد كان رحمه الله فقيهًا ذا عبقرية إسلامية فذة.
وفي السنة الثانية من احتلال الكفار المستعمرين الفرنسيين لأرض الجزائر سنة 1348هـ اجتمع علماء الجزائر وأصحاب الكلمة فيها. وأبدوا الرأي في مسجد مدينة مسكر. وبايعوا الشيخ عبد القادر على الإمارة والجهاد لتحرير أرض الجزائر من الغاصبين المعتدين، وإقامة الشرع الإسلامي الحنيف في البلاد، فأنشأ رحمه الله حكومة إسلامية، برئاسته، لتحقيق هذه الغاية.
وحين علم الكافر المستعمر الفرنسي، بظهور الشيخ عبد القادر وحكومته الإسلامية، تملكه الفزع والهلع. فشن حربًا هجومية مسعورة، للقضاء على كل استعداد عسكري لها. ولإبادة المجاهدين وحكومتهم، إلا أن الشيخ عبد القادر، رد هذا الهجوم، بشكل عنيف جدًا، مما أرغمهم على بقائه، معتصمًا في داخل الحصون والقلاع.
ولما عجز الجنرال (دي ميشال) (ولم يتمكن من فك الحصار المضروب حول رحاله في وهران وستغانم، وكادت الجيوش المجاهدة، تسحق القوات الاستعمارية داخل الحصون، لو لم يمل القائد الفرنسي إلى المراوغة، فأرسل إلى الأمير الشيخ عبد القادر، يطلب منه التماس الصلح من فرنسا ودس بين سطور رسالته عبارات التهديد والتخويف، بقوة فرنسا الهائلة التي تعد أكبر قوة في العالم) [1] .
ولكن الشيخ عبد القادر أجابه إجابة القائد المؤمن، الواثق بنصر الله، الفاهم للإسلام العالم بأحكام الشرع المتعلقة بالجهاد ومقاتلة الكفار.
فقال رحمه الله تعالى: (إن ديننا يمنعنا من طلب الصلح ابتداء، ويسمح لنا بقبوله إذا عرض علينا .. وإن المفاوضة التي تطلبونها يجب أن تكون مبنية على شروط محترمة منا ومنكم .. ) .
والشيخ بقوله هذا يشير إلى قوله تعالى: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ) [2] ، ثم استطرد الأمير الشيخ قائلًا في جوابه: (كيف تفاخرون بقوة فرنسا ولا تقدرون القوة الإسلامية، مع أن القرون الماضية أعدل شاهد على قوة المسلمين وانتصاراتهم على أعدائهم. ونحن وإن كنا ضعفاء على زعمكم، فقوتنا بالله الذي لا إله إلا هو لا شريك له. ولا ندعي بأن الظفر مكتوب لنا دائمًا، بل نعلم أن الحرب سجال يوم لنا ويوم علينا. غير أن الموت سر لنا وليس لنا ثقة إلا بالله وحده لا شريك له. لا بعَدد ولا بعُدد وإن دوي الرصاص وصهيل الخيل في الحرب لآذاننا خير من الصوت الرخيم. ثم يتحدى الجنرال دي ميشال وقواته قائلًا(متى خرجتم من وهران مسافة يوم أو يومين يظهر للعيان من يستحق الفخر بنا) [3] .
تلك إجابة العالم المجاهد؟ فكان جوابه كالصاعقة التي أذهلت هذا القائد الكافر الغر النزق ..
(1) [ص55 و56 الثورة الجزائرية للأستاذ أحمد الخطيب] .
(2) آية 61 من سورة الأنفال.
(3) [ص109 وما بعدها. الإسلام في القرن التاسع عشر -كارل بروكلمان- ترجمة نبيه أمين فارس ومنير البعلبكي] .