أقرت بلاد السودان الدعوة الإسلامية التي يقود لواءها الشيخ محمد بن عبد الله المهدي، وهو الفقيه بأحكام الإسلام، الشيخ المربي في الطريقة السمانية [1] المنتشرة يومئذ في القطر السوداني حيث أخذت هذه الدعوة تسري بين الناس، وقد انضوى تحت لواء دعوته جمهرة كبيرة من المسلمين.
إن الشيخ رحمه الله تعالى حين رأى تسلط الكفار المستعمرين الانكليز على مصر والسودان، أصدر فتواه المشهورة بإعلان الجهاد ضدهم، وكان ذلك سنة 1881م، أما الانكليز فقد سيروا جيشًا عظيمًا تعداده عشرة آلاف مقاتل (بقيادة هيكس باشا إلى السودان، فاشتبك مع قوات المهدي في البركة الواقعة على نحو سبعة وثلاثين ميلًا من جنوب شرقي الأبيض.
وكان النصر في هذه المعركة للشيخ المهدي، إذ استطاع أن يبيد هذه القوات عن بكرة أبيها. واستمرت انتصارات الشيخ في مقاتلة القوات البريطانية، مما جعل السودان كله يخضع لسلطان الشيخ، وقد اضطرت بريطانيا العظمى أن تستسلم بعد تلك الحروب.
وكانت الحكومة البربطانية قد استعدت للتنازل نهائيًا عن السودان وبعثت بالجنرال غوردن قامع ثورة (ثايينج) في الصين، إلى الخرطوم لكي ينقذ الأوربيين الذي ما انفكوا يعيشون هناك ويعود بهم إلى مصر.
وفي الحال بعث هذا القائد بكتاب إلى المهدي، ليبدي فيه استعداده للاعتراف به سلطانًا على كردفان ... فأجابه المهدي طالبًا إليه الاستسلام.
وبعد ذلك أي في سنة 1884م، تقدم جيش بريطاني في النيل وهزم قوات المهدي المعسكرة في المراكز الأمامية عند المتحة، ولكن أم درمان استسلمت في 15 كانون الثاني 1885م، وفي ليل 25 - 26 كانون الثاني شن المهدي على رأس أتباعه هجومًا عنيفًا على المدينة، وقتل غوردن في قصره.
انتقل المهدي وحكومته إلى الخرطوم بعد أن خضعت السودان له، وبذلك حرر هذا العالِم المجاهد بلاده من رجز الكفر والاستعمار حتى توفاه الله تعالى على أثر مرض في سنة 1885م.
رحم الله المهدي وأجزل ثوابه وأنعم عليه برضوانه.
(1) [الطريق الصوفية حقيقتها مدارس إسلامية لتربية المريدين تربية شرعية عملية، يقوم بها فقهاء عالمون يعلمون بما علموا، يدل على ذلك قول شيخ الطائفة الجنيد رحمه الله:
(طريقتنا مقيدة بالكتاب والسنة) فكانت تجمع بين الفقه والعمل، وعلى تربية الروحية والفقه بأحكام الإسلام].