وهذه البيعة ثابتة بأدلة الشرع المعتبرة، ومن بيعة الرسول الكريم، ومن أمره صلى الله عليه وسلم لنا ببيعة الإمام، ومن المعلوم أن بيعة سيدنا الرسول الكريم لم تكن بيعة على النبوة، لأن النبوة تطلب إيمانًا لا بيعة، وإنما البيعة تكون على الحكم والتنفيذ لا على الإيمان والتصديق، ولما كانت كذلك، لذا نجد سيدنا الرسول الكريم ينيب عنه في تولي الحكم بالمدينة المنورة وهي عاصمة الدولة الإسلامية، حين غيابه عنها، فلو كانت بيعة على النبوة لما جازت هذه النيابة، يقول عبادة بن الصامت الصحابي الجليل (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره ... الحديث) [1] وقوله عليه الصلاة والسلام: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء بالطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلا لدنياه إن أعطاه ما يريد وفى له وإلا لم يف له ... الحديث) [2] .
وقوله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَاتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) [3] فأخبر عنهن أنهن مؤمنات وبين البيعة بطاعتهن له أن لا يعصينه في معروف.
فالبيعة بيد المسلمين، وهي من الحقوق الشرعية التي منحهم إياها الإسلام، وببيعتهم ينعقد الحكم للحاكم أو الخلافة للخليفة، لأن الحاكم -كما قلنا- نائب عنهم في تولي الحكم والسلطان.
أما طريقة إعطاء البيعة فإنها تصح بكل وسيلة من الوسائل التي تحقق مفهوم البيعة كالمصافحة أو الكتابة أو النطق بها فرديًا وجماعيًا وغير ذلك.
إلا أن هذه البيعة ليست شرطًا أن يباشرها كل المسلمين وإن كانت من حقهم جميعًا لأنها فرض كفاية، وفرض الكفاية إذا أتمه البعض سقط عن الباقين، ولكن الشرط الأساسي فيها أن يمكن جميع المسلمين من هذه البيعة وأن تنال رضاهم، وهذا الرضا إن لم يكن إجماعيًا يكون جماعيًا، فإذا عبر عنه أهل الحق والعقد حسب التعبير الفقهي وهم الذين يمثلون المسلمين أو عير عنه بمجلس الشورى المنتخب أو المسلمين أنفسهم صح كل ذلك.
أما طريقة قيام البيعة، فإن الدارس لطريقة نصب الخلفاء الراشدين التي سكت عنها جميع الصحابة وأقروها، مع أنها من ألزم الأمور وأعظم الواجبات لأنها يتوقف عليها كيان المسلمين واستمرار حكم الإسلام، يصل هذا الدارس إلى أن الخليفة المراد نصبه، قد تناقشوا عليه قبل البيعة.
وحين يستقر الرأي على أشخاص، يعرض هؤلاء على المسلمين ليختاروا رجلًا منهم ثم تكون البيعة، لذلك كان الحكم الشرعي في ذلك بما هو آت:
إن الذين يمثلون الأمة من أهل الحل والعقد، أو مجلس الشورى، يتناقشون بمن يصلح للخلافة، والحكم وتوفر فيه شروطها، ثم يحصرون المرشحين لها حيث أن الصحابة الكرام طلبوا من سيدنا عمر بن الخطاب أن يستخلف فاستخلف الستة المشهورين، وهذا بمثابة حصر، وقد رضي الصحابة بهذا الفعل فكان إجماعًا والإجماع من الأدلة الشرعية المعتبرة وبعد الحصر يطلب من الأمة أن تختار أحدهم، ومن ينال أكثرية الأصوات يصبح خليفة أو حاكمًا ثم تؤخذ له البيعة ويتحقق هذا بكل الأساليب التي تضمن الرضا والاختيار، كأساليب الانتخابات المعروفة.
(1) متفق عليه.
(2) أخرجه البخاري، والثالث: (ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف بالله لقد أعطي بها كذا وكذا فصدقه فأخذها ولم يعط بها) .
(3) آية 12 سورة الممتحنة.