الصفحة 166 من 337

الشيطان مُتصوَّر في النَفْس، ولذلك يقولون لشيء يستقبِحونه جدًا: كأنّه شيطان، وقال امرئ القيس:

أتَقتُلُني والمُشَرَّفيُّ مُضاجِعي ... ومَسْنونَةٌ زُرْقٌ كأنيْابِ أغْوالِ [1]

فشبّه النُصول بأنياب الأغوال، وهي لم تُرَ، ويقولون: كأنّه شيطان وانقلب عليّ كأنّه شيطان )) [2] .

وقوله (مُتصوَّر في النَفْس) معناه: أنّه ذو دلالة معنوية، إذ انتقلت دلالة عبارة (رؤوس الشياطين) من مجالها الذهني الذي تتصوّرُه العقول على غايةٍ من القبح والبشاعة إلى مجال حسي هو ثمار شجرة الزقوم، ووسيلة هذا الانتقال هو التشبيه، ووجه التشبيه هو الصورة القبيحة للشيطان؛ لأنّه كائن مَنبوذ تنفُرُ منه النُفوس، وتحمِل له صورة غاية في القبح والبشاعة، مثيرة للرُعب والخوف، فشُبِّهَت بها ثمار هذه الشجرة لقُبح منظَرِها على سبيل تشبيه الغائب بالحاضر.

وروي عن ابن عباس أنّه كان لأهل مكة جبال قبيحة المنظر وكانوا يُسمّونها رؤوس الشياطين لقُبحها إذا نظروا إليها، فشبَّه لهم ثمَر الزَّقوم في المنظَر بتلك الجبال، ويجوز أيضًا حَمْل ذلك على مذهب العرب في تسميتهم كلّ ما يستعظمونه شيطانًا، وتشبيههم بالشياطين على سبيل التهويل [3] .

وقد ذكر المفّسرون لهذا التشبيه تفسيرات حسية كثيرة، غير أنّهم في الغالب يرجّحون المعنى الخيالي [4] ؛ لأنّ ذلك يضفي عليها مزيدًا من التخويف والتنفير، وهو المَرمى الذي قصد إليه التعبير القرآني [5] : وقيل: إنّ جميع التفسيرات الحسية قائمة على التفسير المعنوي له [6] .

والتشبيه هنا تخييلي [7] ،وهو المركَّب من أمور كلّ واحد منها موجود يُدرك بالحسّ، ولكن هيأته التركيبية ليس لها وجود حقيقي في عالم الواقع، وإنّما لها وجود متخيَّل أو خيالي [8] والمثال الثاني هو: (السُفَهاء) : الذي ورد في قوله تعالى: {قَالُواْ أنُؤْمِنُ كَمَآءَا مَنَ السُّفَهَآءُ} [البقرة:13] ، وفي هذا اللفظ يقول الطوسي: (( هي جمع سَفيه ... والسَفيه الضَعيف الرأي الجاهل

(1) ديوان امرئ القيس 162.

(2) التبيان 8/ 502.

(3) الجمان في تشبيهات القرآن: ابن ناقيا البغدادي 246 ـ 247.

(4) معاني القرآن للفراء 2/ 387، وتأويل مشكل القرآن388 ـ 390، والكامل في اللغة والأدب: المبرد 3/ 93،

وجامع البيان 23/ 63ـ64 وجواهر الحسان 4/ 19.

(5) التشبيهات القرآنية والبيئية العربية: واجدة الأطرقجي 254 ـ 256.

(6) و (7) الكشاف 3/ 342.

(7) علم البيان 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت