القليل المعرفة بمواضع المنافِع والمَضار، لذلك سَمّى الله الصبيان سُفهاء بقوله: {وَلاتُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أمْوَلَكُمُ} [النساء:5] ... وأصل السَفَه: خِفَّة الحِلْم وكَثرَة الجَهل، وثوب سَفيه إذا كان رَقيقًا باليًا، وسَفِهَته الريح أي طَيَّرته كلّ مُطيَّر )) [1] . فأصل اللفظ لديه هو معنوي، وقد يُطلق على خفة الثوب فينتقل إلى مجال حسي، ولكنّ الراجِح أنّ السفه أصلُه الخِفَّة والحَرَكة، فيقال: تسَفَّهَت الريح إذا اضطربت، وسَفَّهَته الريح أي استخَفَّتهْ فحرَّكَته ومالتْ به، والثوب الَسفيه هو رَديء النَسيج الخَفيف، وزِمام سَفيه مُضطَرب، وناقةٌ سَفيهة الزِمام خفيفة السَير [2] ؛ولذلك يوَصف الجاهِل بأنّه خَفيف العَقل سَفيه [3] ، فاللفظ دالّ في أصله على معانٍ حسية، ثم تطوّرت لتدلَّ على معنىً مجرَّد هو العقل.
ولكنّ هذا التطوّر لم يؤثّر على المعنى الأصلي للفظ، فليس من الضروري أن تندَثِر الدلالة القديمة، ولهذا (( فمن الواجب ألاّ يفوتنا أنّ الدلالة الحقيقية قد تتعدّد، أي أنّ اللفظ ينحرِف عن
مجاله الحقيقي، ثم يشيع المِجاز حتى يُصبح مألوفًا، ويكون للفظ دلالتان و استعمالان وكلاهما من الحقيقة )) [4] .
وهذا هو الذي دعانا إلى القول أنّ الطوسي قد وَهِمَ في جَعْل صفة الثَوْب السَفيه متطوِّرة من السَفِه الذي هو الخِفَّة والجَهل على حين أثبتت المعجمات العربية عكس ذلك، وهو ما يتوافق مع ما قال به علم اللغة الحديث من أنّ الحسي هو الأصل لكلّ المعنويات.
(1) التبيان 1/ 77 ـ78، وينظر معاني القرآن وإعرابه 1/ 88.
(2) ينظر (سفه) :مقاييس اللغة 3/ 79، ولسان العرب 13/ 497 ـ 499، والمعجم الوسيط 1/ 437.
(2) ينظر: العين (سفه) 4/ 9، وتأويل مشكل القرآن 410.
(3) دلالة الألفاظ 132 ـ 133.