الصفحة 230 من 337

استأنف بعده الفعل )) (3) ، ويتضح ذلك في معنى الآية التي نزلت في يوم الخندق لمّا اشتدت مخافة المسلمين بعد أن حوصِروا في المدينة، واستدعاهم الله إلى الصبر، ووعدهم بالنصر، فإذا أفادتْ (حتى) التعليل وجبَ رفعُ الفعل، إذ إنّ الزلزلة تؤدّي إلى القَول، وإن أفادتْ الغاية وكانت بمعنى (إلى) وجبَ نصب الفعل؛ لأنّ القول هو غاية الزلزلة [1] .

ومنه أيضًا قوله تعالى: {وَأنَّ هَذَا صِرَطِي مُسْتَقِيمًَا فَاتَبِعُوهُ} [الأنعام: 153] فقد أشار الشيخ إلى أنّ (مستقيمًا) حُكْمها النصب، إذ تتحقّق بذلك دَلالتها على (( الحال، والفائدة: أنّ هذا صراطي وهو مستقيم، فاجتمع له الأمران، ولو رفع(مستقيم) لما أفاد ذلك )) [2] والمقصود بالأمرين اللذين اجتمعا له، هما: الإشارة إلى أنّ هذا الصراط هو صراط الله، وأنّ حالته الاستقامة. ويُلمَح من كلامه اختلاف حالة المُخاطَب في الجملتين، ففي حالة النصب يكون المُخاطَب غيرَ عالمٍ بحقيقة هذا الصراط، ولا بطبيعته أو حالته، وأمّا في حالة الرفع، فيكون عالِمًا بحقيقته ولكنّه شاكٌ في استقامته.

والنحو عند الطوسي (( تابعٌ للمعنى يدور حيث يدور، فالوجوه النحوية تابعة للمعاني القرآنية وتوجيهها يكون بحسب تلك المعاني ) ) [3] ، ولذا فهو يرفُض كل ما يُسيء إلى الذات الإلهيّة، ويرجّح الإعراب الذي يجعل المعنى لائقًا بوَصفها ولم يكن يأخُذ بكلّ ما ذكره، بل هو يناقش ويرجّح ويضعّف الوجوه الإعرابية فيأخُذ ما يراه أقرب إلى الصواب ويرُد ما لا يَرضى به.

ويمثّل منهجه هذا امتدادًا لمنهج المفسّرين الذين لم يُخضِعوا النصوص القرآنية إلى ضوابط النحو ومقاييسه، بل اتخذوا النحو وسيلةً لإضاءة النص القرآني وبيان دلالته ومعانيه، وهو بذلك يضع قول المبرّد موضع التطبيق. فكلّ (( ما صلُحَ به المعنى فهو جيّد، وكلّ ما فسَدَ به المعنى فمَردود ) ) [4] . ويرى بعض المحدثين أنّ مُهمّة المُفسّر أو الباحث تقتصر على مُراجعة قواعد النحو إزاء القرآن، وعرضها على كلام الله، فما جاء موافقًا لظاهر الكتاب الكريم أبقاه، وما جاء مخالفًا أهمله من غير أن يقبل فيه تأويلًا [5] ، ومن ذلك قوله تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًَا حَسَنًَا فَيُضَعِفَهُ} [البقرة: 245] فقد ذكر فيه قراءتين [6] : رفع (يُضاعفُه) عطفًا على

(1) ينظر الكتاب 3/ 25 ـ 26

(2) التبيان 4/ 320.

(3) منهج الطوسي 304.

(4) المقتضب: 4/ 311.

(5) اللغة والنحو بين القديم والحديث: عباس حسن 118.

(6) قرأها ابن كثير بغير ألف وبرفع الفاء مع تشديد العين (فيضعِّفُهُ) ، وقرأها ابن عامر من غير ألف وبفتح الفاء مع

تشديد العين (فيضعّفَهُ) ، وقرأها أبو عمر ونافع وحمزة والكسائي بالألف ورفع الفاء (فيضاعفُه) ،ينظر: السبعة

في القراءات 184 ـ 185.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت