الأحكام الفقهية والأصولية تبعًا لدلالاتها المختلفة. واختلفوا جميعًا في حقيقة دلالتها على المعنى، هل تدلّ في نفسها؟ أو في غيرها؟ والغالب لديه، أنّها تدلّ على معنىً في غيرها [1] .
أمّا المحدثون فهم على خلافٍ أيضًا، إذ يرى طائفة [2] منهم أنّها كلمات وظيفية تعبّر عن العَلاقات الداخلية بين أجزاء الجملة، وهي عَلاقات سياقيّة لها فعل نحويّ أكثر منه لغويّ، ولذا فإنّ هذه الحروف لا تمتلك معنىً مُعجميًا، بل لها معنىً وظيفيٌ عام هو التعلّق، ثمّ تختصّ تحت هذا العنوان العام بوظيفةٍ خاصّةٍ، مثل النفي والاستفهام والأمر.
على حين يرى غيرهم [3] أنّ الحروف تدلّ على معانيها في نفسها وهي مُنفردة، فحين تقول: (إلى) ، تَفهمُ أنّه بمعنى بلوغ الغاية، و (على) بمعنى العُلوّ، و (لن) بمعنى النفي. ولكن معناها هذا مُقيّد وليس مُطلَق، مُقيّد بالسياق الذي ترِد فيه، وإنّما وجدت الحروف لتؤدّي معاني الألفاظ المتعلّقة بها، وليس لتؤدّي معناها الذاتي؛ لأنّه معنىً غيرُ مكتملٍ، فهي إذن وسيلة لفَهم اللفظ المتعلّق بها وليس لفَهم معناها الخاص.
واختلف النحاة أيضًا في معاني هذه الحروف، أتلتزم معانيها الأصلية أم أنّها تخرج إلى مَعانٍ أُخر. فكانوا على مذهبين، الأوّل: رأي الكوفيين ومَن تابعهم، وهم يُجيزون تنوّع معاني الحرف الواحد [4] . والآخر: رأي البصريين القائل بعدم جواز ذلك، وضرورة إبقاء الحرف على معناه الأصلي [5] .
ولكنّ واقع الاستعمال اللغوي لهذه الحروف يفرُض تَداخُل معانيها وتَشابُك عَلاقاتها، إذ تتعدّد الدلالة النحوية لبعضها، فتصبح صالحةً أن تقدِّم أكثر من معنىً، تبعًا للسياق الذي ترِد فيه والقرائن الدلاليّة المُحيطة بها [6] . وكتاب الجنى الداني في حروف المعاني لابن قاسم المرادي خيرُ دليلٍ على ذلك، إذ (( يُثبِت المرادي لكلِّ حرفٍ عدّة معانٍ مُستشهدًا لها بشواهد عديدة، وبالرغم من كثرة المعاني التي أثبتها للحرف الواحد، فإنّنا لم نقف على نصٍّ يَنفي هذا التعدّد، ونرى أنّ سكوتَه دليلٌ على ترجيحه ذلك ) ) [7] .
(1) ينظر: الأصول في النحو1/ 427،483،497 ـ531، 2/ 223ـ230، والجنى الداني في حروف المعاني:
حسن بن قاسم المرادي 20، وشرح المفصل 8/ 2، وتناوب حروف الجر في لغة القرآن: محمد حسن عواد 7.
(2) ينظر: اللغة العربية معناها ومبناها124 ـ 127،والتطور الدلالي بين لغة الشعرالجاهلي ولغة القرآن الكريم 75
(3) اللامات: دراسة نحوية شاملة في ضوء القراءات القرآنية: عبد الهادي الفضلي 55 ـ 59
(4) أدب الكاتب 536 ـ 549، والمخصص 4/ 14 /44 ـ 69، وينظر: الجنى الداني: مقدمة المحقق: د. طه
محسن 34.
(5) الأصول في النحو 2/ 215 ـ 222، والخصائص 2/ 370 ـ 308، والبحر المحيط 1/ 68، 69، وينظر:
الجنى الداني: مقدمة المحقق 34.
(6) اللغة العربية معناها ومبناها 63.
(7) الجنى الداني: مقدمة المحقق 36.