وقد عُنيَ الطوسي بهذه الحروف في مؤلَّفه، وحرص على التفرقة الدقيقة دلاليًّا بينها وتوجيه معانيها تبعًا للمعاني القرآنية، ويتبيّن ذلك فيما يأتي:
1ـ حروف الجر: سمّاها حروف الإضافة [1] متابعًا في ذلك سابقيه [2] ،وإنّما سمّيت بذلك؛ لأنّ فيها إفضاءَ وإيصالَ معاني الأفعال إلى الأسماء، أي إضافتها إليها، نحو: مررت بزيدٍ، أُضيف المرور إلى زيدٍ بالباء.
وسمّاها أيضًا حروف الصفات [3] وهو مصطلح عُرف قبله لدى الخليل [4] والفرّاء [5] وابن قتيبة [6] وابن السكيت [7] . وسمّيت بهذا الاسم؛ لأنّها تُحدِث صفةً في الاسم كالظرفية، ففي نحو: جلستُ في الدار، دلّتْ (في) على أنّ الدار وعاءٌ أو ظرفُ مكانٍ للجلوس؛ أو لأنّها تُحدِث صفةً لما قبلها من النكِرات [8] 10).
وكان الطوسي ممّن يُجيزون تناوب هذه الحروف بعضها عن بعض في الدلالة، وقد أشارَ إلى ذلك في مواضع كثيرة، فضلًا عن تبيينه للمعاني والدلالات الأصلية لطائفة من هذه الحروف، ومن ذلك:
إلى: تستعمل لانتهاء الغاية [9] . وقد أشار الشيخ إلى أنّها قد تنوب عن (اللام) ، في مثل قوله تعالى: {وَأخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ} [هود: 23] ، فبيّن أنّ (( معناه: أخبَتوا لرَبِّهم، فوَضع إلى مكان اللام ) ) [10] .
وقد تأتي (إلى) بمعنى (مع) ، في مثل قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أمْوَلَهُمْ إِلَى أمْوَلَكُمْ} [النساء: 2] فقد ذكر الطوسي في تفسيره هذه الآية وَجهين: أحدهما: أن يكون المعنىلا تأكلوا أموالَ اليتامى مع أموالِكم [11] ،وهو ما ذهبَ إليه ابن قتيبة [12] والرمّاني [13] وابن فارس [14] . والآخر: أن تبقى
(1) التبيان 5/ 467.
(2) ينظر الكتاب3/ 496ـ497،ومعاني القرآن للأخفش 1/ 110،ومعاني القرآن للفراء2/ 385،أدب الكاتب536،
وتأويل مشكل القرآن426،المقتضب4/ 136،والأصول في النحو1/ 505،واللامات للزجاجي97،وسر صناعة
الإعراب1/ 139،وينظر الجر بالحرف في النحو العربي 25.
(3) التبيان 6/ 451
(4) ينظر العين (بعد) 2/ 52،و (علو) 2/ 246،و (حوش) 3/ 262.
(5) ينظر معاني القرآن للفراء1/ 31،32،178،2/ 32،323،355،385.
(6) أدب الكاتب322.
(7) إصلاح المنطق299.
(8) ينظر الاقتضاب: ابن السيد البطليوسي257، وشرح المفصل8/ 7، وشرح التصريح على التوضيح2/ 2، وهمع
الهوامع2/ 19،والجر بالحرف في النحو العربي 27.
(9) الكتاب 4/ 231، والمقتضب 4/ 139، والجنى الداني،373.
(10) التبيان 5/ 467.
(11) التبيان 3/ 101.
(12) تأويل مشكل القرآن 428.
(13) معاني الحروف 115.
(14) الصاحبي 179.