الصفحة 260 من 337

النبوّة لا تكون لكافرٍ، إذ قال: (( فأمّا مارُوي أنّ الآية كانت في النبوّة، فإنّه باطلٌ، فإنّ الله تعالى لا يُؤتي نبوّته مَن يجوز عليه مثل ذلك، وقد دلّ دليل العقل والسمع على ذلك، قال الله تعالى: {وَلَقَدِ اخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ} [1] ، وقال: {ا لْمُصْطَفينَ الأَخْيَارِ} [2] ، فكيف يَختار من يَنسلخ عن النبوّة ) ) [3] ، إذ لا يرضى العقل بهذه الأوصاف للأنبياء، وقد نفاها القرآن من قبل [4] ، وأغلب المصادر تؤكّد أنّ هذه الآية نزلت في (بلعَم بن عاشور) وهو رجل من قوم موسى ـ عليه السلام ـ وكان لديه هبات ربّانيّة يتنوَّر بها حقائق الأمور، وقيل: لديه اسم الله الأعظم، فإذا دعا الله تعالى به أجابه، ثمّ ترَكَ كلّ ذلك وتبِع الشيطان، ولم يقوَ على إنقاذ نفسه من الهلاك، وضُرِبَ مثلًا لكلّ من يُؤثِر هواهُ على هدى الله من أهل القبلة [5] .

ويستعين بالسياق العقلي في إثبات حقائق العلم المؤيّدة لحقائق الإيمان، من ذلك ما ورد في قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لأَيَتٍ لأُوْلِي الأَلْبَبِ} [آل عمران: 190] ، فقد ذكر أنّ (( في هذه الآية دَلالة على وجوب النظر والفكر والاعتبار بما يُشاهَد من الخَلْق والاستدلال على الله تعالى ... ووجه الدَلالة من خلق السموات والأرض على الله، هو أنّ الإنسان إذا فكّر ورأى عِظَمِها وثِقَلِ الأرض، ووقوفها على غير عَمَدٍ يقلُّها، وحركة السموات حولَها لا على شيءٍ يدعمُها، عَلِمَ أنّ المُمْسِكَ لذلك هو الذي لا يُشبه الأجسام ولا المَحدَثات؛ لأنّه لو اجتمع جميع الخَلْق على أن يُمسِكوا جسمًا خفيف المقدار، ويُقِلّوه في الجوّ من غير أن يدعَموه لما قَدِروا عليه، فعُلِمَ حينئذٍ أنّ الذي يقدِر عليه مخالفٌ لجميع الأشياء، وعُلِمَ أيضًا أنّها لو كانت السموات والأرض مُعتمِدة على غيرها لكان ذلك الغير يَحتاج إلى ما يَعتمِد عليه، وفي ذلك إثبات مالا يتناهى من الأجسام، وذلك مُحال ... ) ) [6] ، وفي الآية دعوة إلى ذكر الله والتفكّر في قدرته سبحانه، وهي من مَراسيم العبادة في الإسلام فعلى المسلم أن يجمع بين التفكّر والعمل، لأنّ في ذلك وُصولًا بالعقل إلى معرفة قدرة الله سبحانه وإثبات وحدانيته، وزيادة ًفي يقين المؤمنين [7] .

(1) الدخان: 32.

(2) ص: 47.

(3) التبيان 5/ 32.

(4) ينظر: مجمع البيان 2/ 499، والتفسير الكبير 5/ 15 / 404.

(5) ينظر: جامع البيان

(6) التبيان 3/ 79.

(7) ينظر: جامع البيان 4/ 209، والجامع لأحكام القرآن 4/ 310 ـ 311.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت