الصفحة 259 من 337

(( أحدهما: لأنّهم لا يستحقون هذه الصفة لو وقعت منهم التوبة، مع البيان عن أنّ الآخرة لا تُقبَل بها التوبة.

الثاني: أنّ ذلك مقيّد بدليل العقل والسمع الذي دلَّ على وجوب إسقاط العقاب عند التوبة كقوله: {غَافِرِالذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} [1] [2] .

والراجح لديه أنّ عدم تقييد الكلام بالتوبة مَرجعه إلى عدم وجوب إسقاط العقاب عند التوبة، وإنّما يكون الغفران بتفضّلٍ من الله سبحانه وتعالى، إذ (( أراد الله أن يبيّن أنّ الخلاص من عقابه الذي استحقّ على الكفر به ومعاصيه، لا يُستحقّ على وجه، وإنما يكون ذلك تفضّلًا على كل حال ) ) (7) .

ويستعين بهذا السياق أيضًا في نفي صفات التجسيم عن الخالق سبحانه تعالى، من ذلك قوله تعالى {واللهُ مُحِيطُ بِالْكَفِرِينَ} [البقرة:19] ، فقد ذكر أنّ هذا القول يحتمل أمرين: (( أحدهما: أنّه عالِمٌ بهم ـ وإن كان عالِمًا بغَيرهم ـ وإنّما خصّهم لما فيه من التهديد. الثاني: أنّه المُقتدر عليهم ـ وإن كان مقتدرًا على غيرهم ـ لأنّه تقدَّم ذِكرهم، ولِما فيه من الوعيد، والمُحيط: القادر، قال الشاعر:

أحَطْنا بِهِمْ حتّى إذا مَا تَيَقّنوا ... بِما قَدّروا مالوا جَميعًا إلى السِّلمِ [3]

أي قدِرْنا عليهم، فأمّا الإحاطة فمعنى كون الشيء حول الشيء ممّا يُحيط به، فلا يجوز على الله تعالى؛ لأنّه من صفات التجسيم، والذي يجوز الإحاطة بمعنى الاقتدار والمُلك، كما يُقال: أحاطَ مُلككَ بمالٍ عظيمٍ، يَعنون أنّه يَملكُ مالًا عظيمًا، ويُقال: حاطَهُ يَحوطَهُ إذا حفِظَه من سوءٍ يَلحَقه )) [4] ، فالعقل واللغة يَنفيان ما لايليق به سبحانه وتعالى، ولذا يُحمل اللفظ على المجاز، إذ لا يَقصد الإحاطة الماديّة على وجه الحقيقة [5] .

وهو يستعين بالسياق العقلي أيضًا في نفي كلّ ما من شأنه أن يقدحَ بعِصمة الأنبياء، من ذلك ما ورد في قوله تعالى {: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي ءَاتَيْنَهُ ءَايَتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الأعراف: 175] ، فقد استدلّ الطوسي بدليلي العقل والسمع على أنّ

(1) غافر: 3.

(2) و (7) التبيان 3/ 512.

(4) التبيان 1/ 95.

(5) التفسير الكبير 1/ 2 / 317، والجامع لأحكام القرآن 1/ 221، وروح المعاني 1/ 174.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت