الأدِلَّة التي يُدرَك بها الحقُّ والباطلُ، خمسة أوجه:1ـ كتاب الله عزَّ وجلَّ 2ـ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم 3ـ إجماع الأمة 4ـ ما استُخرج من هذه النصوص وبُنيَ عليها بطرق القياس والاجتهاد 5ـ وحجج العقول )) [1] . فهو يقدِّم الدليل الشرعي في الاستدلال على الدليل العقلي وهو ما اتّفق عليه الأشاعرة عامَّة. أمّا المُعتزلة فالدليل لديهم هو الأساس والدليل الشرعي تابع له مؤكِّد لما في العقول عندهم [2] .
ويعتمد الأصوليون والمفسّرون السياق العقلي بعد انعدام السياقين اللفظي والحالي [3] .ومنهم الطوسي الذي عُني بالدلالة العقلية على نحو مُلفت للنظر، إذ يُعدُّ تفسيره من أهمّ التفاسير التي تتّخذ المنهج العقلي أساسًا لها، حتى أنّ بعض المحدثين جعله رائدًا من روّاد المدرسة التي تتبنّى التفسير العقلي [4] .
ويقترن ذِكر العقل لدى الطوسي في الغالب مع السَمع، والسمع هو أساس الأدلّة الشرعيّة النقليّة من الكتاب والسنّة، أما العقل فهو الدليل المَبني على حُجّة الإدراك العقلي للمعنى الذي يُستعان به على الاستدلال. فالشريعة والسياق العقلي لديه طريقان للعلم (( وما لم يصحّ أن يثبُت من أحد هذين الوجهين باطلٌ لا محالةَ؛ لأنَّ مالا يصحّ أن يُعلم فاسد لامحالة ) ) [5] . وبهما يُعرَف الحلال من الحرام قال: (( والاعتداء مُجاوزة حدِّ الحكمة إلى ما نَهى عنه الحكيم، وزُجِر عنه إمّا بالعقل أو السمع، وهو تجاوز المرء ما لهُ إلى ما ليس لهُ ) ) [6] .
ويعطي الطوسي السياق العقلي أهميّة كبيرة في الوصول إلى المعارف والمعاني الصحيحة [7] . وإنّه (( طريق العلم، فكيف يضل عن الرشد من قد جعل الله إليه السبيل ) ) [8] ، ويُستعان به بعد الدليل السمعيّ [9] .
ويتّخذ الطوسي السياق العقلي وسيلة لكشف معاني القرآن والوصول إلى أحكام دينيّة وشرعيّة. من ذلك ما ورد في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًَا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 36] ،فقد علّل نَفي قبول الفدية من غير التقييد بالتوبة لسببين:
(1) الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به: الباقلاني 18، وينظر الاتجاه العقلي في التفسير 57.
(2) ينظر: المغني في أبواب التوحيدوالعدل4/ 174ـ175، وينظر: الإتجاه العقلي في التفسير59ـ60
(3) ينظر: المستصفى من علم الأصول1/ 339ـ340،والبرهان في علوم القرآن2/ 175.
(4) القرآن والتفسير: عبدالله محمود شحاته 216، وينظر: منهج الطوسي 213.
(5) التبيان 4/ 311 ـ 312.
(6) التبيان 4/ 8.
(7) التبيان 2/ 490، 5/ 205.
(8) التبيان 2/ 490، وينظر منهج الطوسي 213.
(9) التبيان 3/ 220.