يُفلِح قومٌ نالوا هذا من نبيِّهم، وهو مع ذلك حريص على دعائهم إلى ربِّهم، فنزلت الآية فأعلَمَه الله أنَّه ليس إليه فلاحَهم، وأنَّه ليس إليه إلاَّ أن يبلُغَ الرسالة ويُجاهِد حتى يُظهرَ الدين )) [1] . ثم عقَّب قائلًا: (( فإن قيل: كيف قالَ {لَيْس لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} مع أنّ له أن يَدعوهم إلى الله ويؤدّي إليهم ما أمرَه بتبليغِه؟ قيل: لأنَّ معناه ليس لكَ من الأمر شيءٌ في عقابهم أو استصلاحهم حتى تقع إنابتهم، فجاء الكلام على الإيجاز؛ لأنّ المعنى مفهوم لدَلالة الحال عليه، وأيضًا فإنّه لا يُعتدُّ بما لهُ في تدبيرهم مع تدبير الله لهم، فكأنّه قال: ليس لك من الأمر شيءٌ على وجهٍ من الوجوه ) ) [2] . إذ تكشِف معرفة أسباب النزول عن حقيقة الكلام المحذوف، وسبب ذلك الحذف، والمعنى: ليس لك من أمرهم شيء لأنّك عبدٌ مبعوث لإنذارهم، فالله مالكُ أمرهم، إمّا أن يُهلكَهم ويعذبهم إن أصرّوا، وإمّا أن يغفرَ لهم ويتوبَ عليهم إن استغفروا ربّهم، وفائدة هذا القول إرجاع الأمر كلّه إلى الله سواء في الثواب أم في العقاب، والتأكيد بأنّ النصر من عند الله وحده، بدليل قوله فيما بعد: {وللهِ مَا ِفي الْسَمَواتِ وَمَا ِفي الَأرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} [3] .
السياق العقلي:
وهو سياق خارج عن النص اللغوي وسياق الحال، وإنّما هو شيء معنوي، طريقه العقل ويستنبَط من النصِّ، ويدلُّ عليه المعنى العام، وبه يوصَل إلى الدَلالة المَقصودة [4] .
وهو من القرائن المُعتَبَرة في الفكر الإسلامي، يَعتدّ به جميع أهل العلم والفقهاء والأصوليين والمتكلمين والمفسرين وغيرهم. وأقدم من نبَّه على أهميَّته في الاستدلال هو الحارث المحاسبي (ت 243هـ) ـ وهو من كبار المتصوِّفة الأشاعرة ـ الذي عدَّ العقل أساسًا ووسيلةً للمعرفة، وأنّه مضمَّن بالأدلَّة العينيّة الحسيّة والخبريّة السمعيّة، وأساسه النظر والاستدلال [5] .
كما نبّه عليه من بعده أبو بكر الباقلاني الذي يُعدّ من مؤصّلي الفكر الأشعري، وسمّاه (علم النظر والاستدلال) ، وهو لديه الدليل الخامس من طرق الاستدلال، قال: (( إنّ طُرق البيان من
(1) التبيان 2/ 584 ـ 585.
(2) التبيان 2/ 584 ـ 585.
(3) ينظر: من وحي القرآن: محمد حسين فضل الله 6/ 172، والكاشف: محمد جواد مغنية: 2/ 153.
(4) أبو علي النحوي وجهوده في الدراسات اللغوية والصوتية: علي جابر المنصوري 106.
(5) العقل، فهم القرآن 2232، وينظر الاتجاه العقلي في التفسير: نصر حامد أبو زيد 52 ـ 53.