الصفحة 262 من 337

وقد نبّه الزركشي على أنّ هذا العلم (( أمرٌ معقولُ، إذا عُرض على العقول تلقّته بالقبول، وكذلك المناسبة في فواتح الآي وخواتمها ومرجعها ـ والله أعلم ـ إلى معنىً ما رابطٍ بينهما، عام أو خاص، عقلي أو حسي أو خيالي، وغير ذلك من أنواع العَلاقات أو التلازم الذهني: كالسبب والمُسبّب، والعلّة والمَعلول، والنظيرين والضدّين، ونحوه، أو التلازم الخارجي، كالمرتّب على ترتيب الوجود الواقع في باب الخبر، وفائدتُه جعل أجزاء الكلام بعضها آخذًا بأعناق بعض، فيقوي بذلك الارتباط، ويصير التأليف حالَه حالَ البناء المُحكَم المتلائمِ الأجزاء ) ) [1] .

وألّف في هذا العلم برهان الدين البقاعي (ت885هـ) كتابه (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) ، وسمّاه (علم مناسبات القرآن) وعدّه سرًا من أسرار بلاغة القرآن، إذ تُعرَف منه علل ترتيب أجزائه ويوصَل به إلى تحقيق مطابقة المعاني لما اقتضاه من الحال، وبه يوقَف على المقصود من جميع السور [2] ، إذ يُمثل هذا العلم الجانب الدلالي والفنّي في تفسير القرآن؛ لأنّه يبحث في العَلاقات الخفيّة بين الدَلالات والتراكيب وأسرار بيانها ونظمها.

وقد عُني الطوسي بالتناسب الدلالي في القرآن وأدرك أنّ فهم سياق الآيات وسيلة الربط بينها لتصُبَّ جميعها في سياق السورة الكلّي وتمثّل لديه في صورتين:

أ ـ تناسب الآيات:

وسمّاه في بعض المواضع (النظم) [3] ، وأفرد له بهذا العنوان بابًا خاصًّا به، وهو لديه مَظهر من مظاهر الإعجاز القرآني ودَلائله، إذ تترابط الوحدات الأساسيّة للقرآن، فهي كاللَبِنات المُحكَمة في البناء، التي تشير إلى قوّة ذلك البناء وتماسُكه. فمفهوم النظم لديه أوسع ممّا هو لدى عبد القاهر الجرجاني، فقد أراد به الجرجاني نظم الألفاظ في الجملة الواحدة، على حين هو لدى الطوسي يشمل كذلك نظم الجمل والعبارات وائتلافها بعضها مع بعض في ضمن النصّ المؤلِّفة له، وهذا يعني أنّه أفاد من فكرة النظم الجرجانية، ومنحها بعدًا دلاليًا أكثر عمومًا وشمولًا.

ويعلّل الطوسي بعض وجوه هذا الارتباط بالمشاكَلة أي المُجانَسة إذ قال: (( إنّ حَملَ الكلام على الاتّصال أقرب إلى التشاكُل وأبعد من التنافُر ) ) [4] . إذ تأتلِف به الآية الواحدة أو الآيتان أو جملة من الآيات. فمثال التناسب في الآية الواحدة قوله تعالى: هُوَالَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي

(1) البرهان في علوم القرآن 1/ 35 ـ 36.

(2) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: برهان الدين البقاعي 1/ 6.

(3) ينظر: التبيان 2/ 343، 436، 531، 555، 3/ 221، 226.

(4) التبيان 2/ 402، وينظر: منهج الطوسي 341.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت