الصفحة 263 من 337

الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لآ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: 6] ،فقد ربط الطوسي بين أوّل الآية وآخرها، فبعد أن ذكر ما يدلّ على مشيئته وقدرته وربوبيّته، وهو قوله: (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء) ، ذكرَ ما يُستَدلّ عليه من ذلك، وهو أنّ الله واحدٌ لا إله غيره. فالاتّصال هنا من باب (( ذكر الدليل والمدلول عليه، وإنّما ذكر(العزيز الحكيم) تحذيرًا بعد ذكر الدليل؛ ليُعلِمَ أنَه عزيزٌ لايتهيّأ لأحدٍ منعه من عقوبة مَن يريد عقابه، حكيمٌ في فعل العقاب وفي جميع أفعاله )) [1] .

ويرى الرازي أنّ إعادة كلمة التوحيد فيها زجر للنصارى عن قولهم بالتثليث، فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة والحكيم إشارة إلى كمال العلم [2] ؛وإنّما ذكر التصوير في الأرحام، لأنّه أدقّ شيء عِلمًا وقُدرةً؛ ولذا فمن باب أوْلى عِلمُ فاعله بغيره، فثبت بذلك أنّه لاكُفءَ له سبحانه وتعالى؛ ولذلك وصل بالكلام كلمة الإخلاص ليُظهِر نورُها فسادَ أقوال المشركين وكفرهم. وفي قوله (العزيز الحكيم) معنيان، أحدهما: الانتقام من أهل عداوته؛ لأنّه العزيز الغالب غلبة لا يجد معها المغلوب وجهًا للمدافعة والخلاص. والآخر: بشرى بنُصرة أهل الفرقان وأهل القرآن على أهل الكفر والعصيان؛ لأنّ الحكيم الحاكِم بحِكمَة [3] .

ومن الدَلالات الغنيّة التي يستكشفها الطوسي من هذا الأسلوب ما له أثرٌ عبادي سامٍ يتمثّل في تنزيه الخالق سبحانه وتعالى من الشُبهات، من ذلك قوله تعالى: {ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنفُسَهُم بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَآءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء:49] ، إذ بين أنّ (( وجه اتّصال قوله:(ولا يظلمون فتيلا) بما قبله أنّه لمّا قال: (بل الله يزكي من يشاء) ، نفى عن نفسه الظلم لئلا يُظنّ أنّ الأمر بخلافه )) [4] ، فالله ـ جلّ وعلا ـ بما له من العلم التامّ والقُدرة الشامِلة والعَدل والحِكمة يُزكِّي من يشاء بخَلق معاني الخير فيه؛ لتنشأ عنها الأعمال الصالحة، وهو في كل ذلك لا يظلم الناس أدنى حقٍ لهم، ولو كان بقدَر الفتلة التي في شقِّ النواة وهي أصغر ما يتصوَّره العقل، فالله سبحانه عالِمٌ بما يستحقّون من ثوابٍ أو عقابٍ، وهوسبحانه الحكَم الغنيّ عن الظلم لما له من صفات الكمال [5] .

(1) التبيان 2/ 494.

(2) التفسير الكبير 2/ 7 / 136، وينظر: جامع البيان 3/ 168.

(3) نظم الدرر 4/ 221 ـ 222.

(4) التبيان 3/ 222.

(5) نظم الدرر 5/ 299.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت